آخر الإبداعات… طبقة هوليوودية!

مع أن الصحافة والإعلام انقضّا بما يكفي من حدّة على المشروع الملتبس الأخير لـ”الكابيتال كونترول” وجعلاه مادّة فضائحية “مستحقة”، لا تزال ثمّة نقطة تفرض التعمّق أكثر في جوانب متّصلة بهذا الملفّ عند أعتاب استحقاق انتخابي تعلّق عليه آمال وأحلام وطموحات وأوهام لا سابق لحجمها. الأمر يتّصل بمرض مستأصل في الواقع السياسي يجعل الغطرسة أو عدم المبالاة لدى طبقة سياسية كان يُفترض أن تكون بمعظمها الآن قيد محاكمات “نورمبرغ الفساد” تقدّم آخر عروض المسرحة الشعبوية الباهتة أمام الرأي العامّ ثمّ تنصرف لا تلوي على محاسبة.

قبل شهر ونصف الشهر من موعد الانتخابات أدارت الطبقة الوزارية والنيابية ومعها الرؤساء الثلاثة ظهر المجنّ لمشروع يُجمع الخبراء الماليون والمصرفيون والاقتصاديون على كونه التشريع الأساسي والمفتاحي لبدء نسج مظلة إنقاذ بقايا ودائع شعب أحرقته هذه الطبقة “بجهنّم” الانهيارات بقيادة العهد الميمون صاحب الاستعارة الجهنمية الدائمة. صفّقوا لأنفسهم لأنّ أحدهم أو بعضهم من متنوّري الحكومة خطر له أن يقدّم هديّة مفخّخة إما بغباء خيالي وإما بتواطؤ خبيث الى مجلس نيابي يتحمّل واقعياً التبعة الأخطر في بلوغ لبنان هذا الدرك الدراماتيكي فيما هو يدأب على اتباع نهج بيلاطوس البنطي في تقديم يسوع الناصري الى أيدي جلّاديه اليهود وغسل يديه من دم ذاك الصدّيق. تلقف المجلس ألعوبته وراح يلهو بها عبر توظيف شعبوي مثير للتقزّز على مرأى ومسمع اللبنانيين الذين لم يتكرّم عليهم أيٌّ من هؤلاء “الأبطال” الذين راحوا يقلّدون “الراقص مع الذئاب” في ذاك الفيلم الهوليوودي الشهير بأيّ إجابة عمّا حلّ بالقانون الذي تأخّر صدوره ومُنع تشريعه ولا يزال حتى إشعار مفتوح لا أفق لمداه الزمني.

لقد عرف اللبنانيون نماذج كثيرة من سياسيين “متعدّدي المواهب” تعاقبوا في الرئاسات والحكومات والمجالس النيابية، لكنهم قطعاً يقفون اليوم، على رمية حجر من موعد تغييري مفترض، أمام الطبقة الأشدّ فظاعة في تيبّسها وتحجّرها حيال مآسي من تمثّل في السلطة بكلّ مستوياتها وبكلّ مؤسساتها. والأسوأ في هذا الواقع أن ذرف دموع التماسيح على الناس من معظم الذين تسبّبوا بدفع لبنان الى هذه النهاية الكارثية ينذر بمؤشّر هو الأخطر إطلاقاً بكون هؤلاء “الصادقين” غير خائفين ولا مذعورين بل معظمهم يتحسّب وواثق من عودته الى كراسيّ النيابة والوجهنة بفعل حسابات استباقية قد تأتي لمصلحة عودة عشرات الوجوه المقيتة.
ينزلق لبنان وسينزلق تباعاً وبقوّة مضاعفة نحو فوضى مخيفة ندأب منذ أشهر على رفع العقيرة والصوت منها بفعل هذه الآفة الكارثية التي تنضح بها تركيبة المؤسسات السياسية اللبنانية التي يشكل التعامل الأخير مع مشروع الكابيتال كونترول “أصدق” نماذجها في الاستغلال الشعبوي الرخيص ومن ثمّ ترك الكارثة تتدحرج بلا أيّ حرج.

والحال أن الأخطر في سياق تفحّص أسباب سقوط الخوف لدى طبقة سياسية ارتكبت كلّ هذه الجرائم لا يتّصل فقط بأننا لم نر ولن نرى أيّ محاكمات لها في مستوى الانهيار الكارثي للبنان، بل لأن رهانات معظم هذه الطبقة على توظيف الفوضى الزاحفة تجعلها في منأى عن الخوف والقلق من محاسبة آتية من صناديق الاقتراع. ومثلما تسبّبوا بالانهيار وظلوا يرتعون بوقاحة وفجور يصوّرون للناس أنهم أهل دولة ومؤسّسات وضمير وإصلاح ونقاوة ونقاء ونظافة، نخشى الكارثة الأشدّ إطلاقاً التي ستعيدهم بطرق مختلفة بوجوههم أو بمن ينوب عنها من وجوه جديدة شكلاً لا غير.

نبيل بومنصف – النهار