“رأس سلامة” لن يسلَّم إلى عون… وميقاتي يحذّر

تظهر كل الاتصالات السياسية ان الامور الخلافية على مستوى امكان انعقاد جلسات الحكومة أو تسيير العجلة التشريعية في البرلمان لا تتم بين الجهات المعنية على طريق من الوئام والاستقرار، بل على العكس فان الحرب المفتوحة بين الرئاستين الاولى والثانية، فضلاً عن التباينات بين الحلفاء انفسهم، لا تبشر بانفتاح ابواب الحل قريبا. ولذلك ستبقى الابواب مقفلة الى حين التوصل الى مخرج لا يبدو متوافرا في الافق المنظور مع استمرار الردود والردود المضادة بين “حزب الله” والسعودية، بعدما أوصل الاول رسالة واضحة بأنه لن يسكت عن كل حرف يستهدفه بغضّ النظر عما ستؤول اليه الاتصالات بين الرياض وطهران. ولم يكن مفاجئا عدم تمكن الرئيس ميشال عون من جمع اركان طاولة الحوار في بعبدا، الامر الذي لا يمكنه فعله بعد.

وسيبقى موضوع الدولار وتصاعد سعره أمام الليرة المنهارة مادة للتجاذب في البلد ورسم الحسابات وفق المعطيات التي ستظهر على الارض. ولن يغيب موقع حاكم المصرف المركزي رياض سلامة عن اكثر من معطى داخلي وخارجي، ولا سيما ان الحكومة قطعت شوطا لابأس به في محادثاتها مع صندوق النقد الدولي.

وكان الجميع قد انشغل في الايام الاخيرة بالحديث عن مواصلة تطويق سلامة من جانب القضاء وسط ميل عوني واضح لاتخاذ كل الاجراءات ضده وحشر بقية الاطراف السياسيين امام اللبنانيين للقول بأنهم هم من يوفرون له الحماية. وتوجَّه هنا سلسلة من الاتهامات الى أكثر من فريق، وهذا الامر يحظى برعاية من السفيرة الاميركية دوروثي شيا. ولا يخفي متابعون، وإن لم يلتقوا مع سلامة، ان واشنطن لن تتركه لا بل ثبّتته في موقعه الى آخر يوم في ولايته منذ الغداء الشهير الذي جمعه ونائب وزير الخارجية الاميركي ديفيد هيل . ولا يعني هذا الموقف ان الدعاوى المرفوعة ضده في الخارج سيتجاوزها بسهولة.

وتوجَّه السهام هنا الى الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي بأنهما يعملان على تأمين “الحصانة” له، اذا صح التعبير، علماً ان للرجلين معطياتهما واسبابهما التي تدفعهما الى التمسك بسلامة، ولكن ليس من باب الدفاع عنه او نفي الاتهامات والدعاوى ضده في الداخل والخارج.

واذا كان بري لا يريد الكلام عن هذا الموضوع إلا عند الضرورة، الا ان ميقاتي لا يخفي، بحسب مصادره ومن الحلقة القريبة منه، أن ما يهمه اولا هو حماية البلد وليس الشخص سواء تمثل في سلامة او غيره، ولا يؤيد المسار القضائي الذي يتم تسطيره او انتهاجه في وجه سلامة، وانه من ابسط ادبيات ألف باء السياسة والاقتصاد ألا يتم اللجوء الى تطيير الحاكم في خضم هذه المعركة وارتكاب خطأ في هذا الحجم. وكان ميقاتي واضحا حين قال إن الضابط لا يجري تغييره في عز الحرب والمواجهة، ولا سيما اذا كان برتبة عالية، وانه من غير المنطق ممارسة هذا الاسلوب القضائي قبل ايام من حضور بعثة صندوق النقد الى بيروت، وهل يمكن ان يتعاطى وفد المؤسسة الدولية مع حارس قضائي على رأس مؤسسة في مستوى المصرف المركزي؟ وتبقى المسألة التي لم يهضمها ميقاتي هي قيام قاضٍ كبير على رأس قوة عسكرية بالتوجه الى عدد من المصارف بهذه الطريقة، وانه كان في امكانه وهو في مكتبه واحتراما لمنصبه ان يطلب من المصارف والمشرفين عليها تزويده المعلومات التي يطلبها.

ويُنقل عن رئيس الحكومة أن مثل هذه الممارسات لم تحصل في لبنان لا في ايام وجود الاحتلال الاسرائيلي ولا ابان تأثير الفلسطينيين والسوريين حيث لم يجرِ الدخول الى مصرف بهذه الطريقة، وان ما يحصل هو ضرب للنظام المصرفي ولا تقبله اي دولة في العالم من روسيا والصين الى آخر دولة غربية، لان التلاعب بالنظام المصرفي يضر بالجميع. ويأمل بألا يُفهم كلامه على أنه يدافع عن سلامة، وانه يرفض الدعاوى التي تقوم على عنصرَي التسييس والانتقام. واذا كان الحاكم مخطئا او مرتكبا فليتحمل مسؤولية ما فعله ولكن من دون المسّ بالنظام المصرفي اذا كانت هناك نيات فعلية لاعادة النهوض بهذا القطاع وحفظ الودائع واطلاق العجلتين المالية والاقتصادية. ويبقى لسان حال ميقاتي في هذا الصدد انه عند غرق الباخرة يجب ان تتلاقى كل الجهود لمحاولة انقاذها بدل تبادل الاتهامات، على ان يصار الى المحاسبة في ما بعد وتبيان كل الحقائق، ولا ينبغي التعاطي مع القانون والقضاء على اساس ردود الفعل. ويقول إنه يكرر للمرة الالف أنه لن يتدخل من موقعه في عمل القضاء أو المسّ بصلاحيات هذه المؤسسة.

وبالعودة الى الكباش السياسي بين الافرقاء، يبدو ان العونيين يستعملون كل اوراقهم ونقاط قوتهم في السياسة والقضاء لازاحة سلامة واستهدافه، إلا ان جملة من العناصر الداخلية قبل الخارجية لن تقبل بتقديم “رأس سلامة” هدية لهم نظراً الى ما لهذا الامر من مضاعفات وارتدادات، ليس على الصعيد المالي سواء كانت سلبية او ايجابية، بل على المعطى السياسي، وخصوصا في البيئة المسيحية حيث سيستمر”التيار الوطني الحر” في التصويب على سلامة و”الثنائي الشيعي” قبل ثلاثة اشهر من تلك المواجهة المنتظرة التي يتحضر لها الجميع.

رضوان عقيل – النهار