احتقان شعبي في مناطق سيطرة “الحزب”

ليس صحيحاً أن الحالة الشيعية في لبنان بمنأى عن الأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجهها مختلف مكونات البلاد، إذ إن الصورة النمطية والترويجية التي يحاول “حزب الله” ترسيخها هي أنه بفضل المؤسسات الخدماتية التي يمتلكها، استطاع تجنيب الشيعة ما لم تستطع الدولة والأحزاب الأخرى تجنيبه لبقية المواطنين.

وتشير أوساط شيعية معارضة إلى أنه على الرغم من الاضطهاد الممنهج الذي يعانيه معارضو “حزب الله”، والتهديدات المستمرة بحقهم، إضافة إلى اغتيال الناشط السياسي والإعلامي لقمان سليم، فإن حركة الاعتراض باتت تكبر ككرة الثلج، مشيرة إلى أن الحزب لا يكتفي بترهيب المعارضين إنما يستخدم مؤسسات الدولة من أجهزة أمنية وقضائية ضدهم، إذ تهم “العمالة” مع إسرائيل وغيرها من الملفات جاهزة حسب الطلب. إلا أن الأجهزة الأمنية ترفض تلك الاتهامات، وتؤكد أنها تتعامل مع المواطنين وفق القوانين وبناء على إشارة القضاء المختص.

نصف صامت

وتكشف الأوساط عن أن مشكلة المعارضة أنها لا تزال عبارة عن معارضات متناثرة لم تستطع الانسجام في منصة سياسية متكاملة، إذ إن كل معارضة لديها طروحاتها، مشددة على أن حالة التبعثر هذه تريح “حزب الله”، وتكشف عن أن لقمان سليم لطالما سعى لتوحيد تلك المعارضة.

وتوضح الأوساط أنه وفق أرقام انتخابات 2018، فإن نسبة اقتراع المواطنين من الطائفة الشيعية بلغت 47 في المئة، على الرغم من التجييش الذي اعتمده الثنائي وتصريح الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله أنه مستعد لقرع أبواب المنازل لدفع المواطنين إلى المشاركة، مضيفة أن نسبة الذين صوتوا لمصلحة الثنائي كانت نحو 38 في المئة. وتلفت إلى أن ما يعكسه هذا الرقم هو أن نحو نصف الشيعة معارضون لـ”حزب الله” و”حركة أمل”، إلا أن عدم الاصطفاف في جبهة معارضة وسياسة الترهيب تجهضان فعاليتهم السياسية.

مقاومة المقاومة

وتؤكد الأوساط أنه بعدما كانت الحالة الاعتراضية صامتة، إذ كان الأهالي يتألمون وينتفضون بصمت خوفاً من سياسة التخوين والترهيب، بدأت أصوات الاعتراض تخرج إلى العلن، في كل مناسبة وجلسة، بعدما كانت تقمع قبل خروجها من الأفواه. واللافت، أن بعض أبناء المنطقة وعلماء دين بدأوا يعبرون عن آرائهم. وآخرهم الشيخ عبد السلام دندش، من بعلبك الهرمل، الذي شن هجوماً لاذعاً ضد قيادة “حزب الله”، معلناً عن مقاومة مختلفة عن مقاومة الحزب.

وقال في فيديو نشر على صفحته رداً على مقولة “يلي مش عاجبه يفل من البلد”، “دمنا مجبول بهذه الأرض”. وقال متوجهاً إلى الأمين العام لـ”حزب الله”، “أنت حامل المقاومة مثل قميص عثمان، اسمح لنا فيها، كل شعب لبنان هو مقاوم، أما مقاومتك فعايش منها بنعيم من دولارات أميركا، أما مقاومتنا فهي بالجوع والفقر، وأنت مقاوم بالتخمة والبطر، نحن مقاومين لكذبكم وبالمرض والجهل يلي ورّتوه للمنطقة وبالخراب والفلتان يلي عملتموه فينا وأنتم مقاومين بالخداع والتعدي”.

بيان صادم

وقد انتشر في الأيام الماضية شريط فيديو يطلق فيه أحد أبناء الجنوب، الدكتور محمود دقدوق، صرخة لاذعة. إذ يتصل بقناة “المنار” خلال بث برنامج يتحدث فيه رجل دين عن حلاقة اللحية وعما إذا كانت حلالاً أم حراماً. ويقول المتصل إن الوضع الاقتصادي وانهيار الليرة أمام الدولار أهم من الموضوع الذي تخصصون له الهواء والوقت. وقد سبب هذا الاتصال إحراجاً للقناة و”حزب الله”، لا سيما بعدما أظهر المتصل عدم مبالاة الحزب بمعاناة بيئته.

وإثر التعليقات المنتقدة والساخرة، قررت “المنار” الرد ببيان عكس إمعان الحزب ومؤسساته بالقمع والترهيب وتكميم الأفواه. إذ قالت إن المتصل دقدوق عاود الاتصال بها والاعتذار، مشيراً إلى أنها كانت “فشة خلق” ليس إلا. ووضعت انتشار الفيديو في خانة الاستغلال والمؤامرة. ما أعاد الأذهان إلى حوادث شبيهة لمعترضين تم تصويرهم عبر الإعلام وهم يعتذرون لنصر الله ويجددون الولاء له ولحزبه.

كتيبة إيرانية

وفي السياق، يؤكد الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي السيد محمد علي الحسيني، “اتساع حالة الاعتراض على أداء حزب الله داخل المناطق الشيعية، ولا سيما أن البيئة الحاضنة بدأت تقتنع أنه المسؤول الأول والمباشر عن الانهيار الاقتصادي والمالي المرعب الذي يعيشه المواطنون، إضافة إلى مسؤولية عزل لبنان وسلخه عن محيطه العربي وتحويله إلى منصة للإساءة إلى العرب، وذلك نتيجة سيطرته على الدولة والتحكم بقراراتها على الصعد كلها”.

ويلفت الحسيني إلى أن “ممارسات الحزب أدت إلى إفلاس الدولة وإفقار اللبنانيين، خصوصاً الشيعة منهم، وعلى الرغم من الدعايات المضللة عن مساعدات يقدمها الحزب فإن الأكثرية الساحقة من الشيعة اللبنانيين باتت تحت خط الفقر وعلى حافة الجوع، إذ إن المساعدات التي يقدمها محصورة بالحزبيين”.

ويكشف عن أن “الاعتراضات الشيعية على حزب الله قديمة، ولكن لطالما لجمها وأخمدها من خلال سياسة الترهيب في وجه المعارضين، والدعاية المضللة كالحديث الأجوف عن المقاومة وإنفاق الأموال الطائلة”، مشدداً على أن “الوضع بات مختلفاً لأن ذرائع المشروعية سقطت والأموال لم تعد تجدي لإسكات الناس بعدما باتت مصادرها مكشوفة ومشبوهة”.

ويؤكد أن “هذه المرحلة مواتية لتشكيل جبهة شيعية معارضة ووازنة من ضمن إطار وطني لبناني جامع”، لافتاً إلى “ضرورة توفير سبل الدعم والمساندة لها”.

ويعتبر الحسيني أن “هذا الحزب فقد مشروعيته التي كان يتلطى تحتها، أي مقاومة إسرائيل، وقد ثبت أنه مجرد كتيبة عسكرية إيرانية جوالة تنتقل من ساحة عربية إلى أخرى للقتال والتخريب والتدمير تنفيذاً لأوامر إيرانية مباشرة”، ملاحظاً أن “القوى السياسية والشعبية المساندة له اكتشفت أخيراً أن هدفه تحويل البلد إلى قاعدة عسكرية متقدمة لـإيران، ومن أجل ذلك أسقط الدولة في لبنان”.

نكسة “14 آذار”

بدوره، يلفت الناشط السياسي والأكاديمي حارث سليمان، إلى أن “حزب الله حاول تصوير البيئة الشيعية بأنها قلعة محصّنة ومقفلة حوله، إلا أن الواقع يؤكد عدم وجود إجماع على خياراته في أي مرحلة سابقة”، مشدداً على أن “الحزب فشل في السيطرة على القرار السياسي للطائفة الشيعية بالإقناع فأخذها بالحرب، وإرهاب القوى الديمقراطية والمجتمع المدني، وقوى العائلات السياسية والتقليد السياسي في الطائفية”.

ويشير سليمان إلى أن “الثنائي الشيعي حاول من طريق الوصاية السورية ترهيب وإسكات الأصوات الشيعية المعارضة، إلا أنه لم ينجح بشكل كامل، إذ إن انتفاضة 14 مارس (آذار) 2005 ضد النظام السوري كشفت عن مشاركة كثيفة من مواطنين شيعة، على الرغم من محاولة حزب الله ضبط وسائل النقل حينها واستئجارها ودفع الأموال لها”.

ويضيف أن “انتكاسة المعارضة الشيعية كانت من حلفائها، أي قوى 14 آذار، الذين تحالفوا في انتخابات 2005 مع الثنائي الشيعي على حساب المعارضين الشيعة”.

استنهاض المعارضة

وعن تنامي صوت المعارضة الشيعية، يؤكد سليمان أنه “نتيجة لانتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، والأزمة المعيشية الكارثة التي صنعتها المنظومة، حدث نوع من استنهاض الصوت الآخر في المناطق الشيعية”، لافتاً إلى أن “الأمور بدأت تتبدّل منذ عام 2015 مع الحراك الذي بدأ حينها نتيجة قضية النفايات، وكان الشيعة جزءاً منه”.
ويضيف “المفارقة الأساسية التي يصعب على القوى السياسية التعامل معها، هي أن المعارضة الشيعية ليست طائفية إنما مدنية، لذلك القوى الطائفية الأخرى، عند السنّة والدروز والمسيحيين، لا يُحبون هذه المجموعة، لأنها ليست من طبيعتهم”.

ويوضح أن “هذه المجموعة هي قوى مدنية غير طائفية تُعارض حزب الله من منطلق خط سياسي متعلّق بالديمقراطية والدولة المدنية ومنهج الدولة الحديثة وليس من منطلق طائفي”.

ورداً على سؤال عن عدم إمكانية المعارضة الشيعية تشكيل جبهة سياسية أسوة بالطوائف الأخرى، يجيب سليمان “من قال إن أحزاب الطوائف الأخرى تُعجب الناس؟ إن المطلوب خروج من فكرة الأحزاب الطائفية والعمل لتشكيل سلطة حديثة ومدنية، أسوة بدول العالم، وبالتالي تشكيل إطار عابر للطوائف والمذاهب قادر على أخذ الشعب إلى دولة حديثة سيّدة على حدودها وداخلها، وإيجاد قوى سياسية لا تعمل على التحريض الطائفي وشدّ العصب”، مشدداً على أن “مواجهة حزب الله لا تكون بخلق حزب شيعي طائفي، بل من طريق بناء دولة حديثة مدنية”.

شيعة السفارات

في المقابل يخفف الناشط السياسي المقرب من “حزب الله” الدكتور قاسم حدرج، من أهمية المعارضة الشيعية، ويقول إن “الطائفة الشيعية هي الأكثر اطمئناناً لنتائج الانتخابات، وذلك لعدم وجود حالات اعتراضية وازنة من شأنها أن تزاحم الثنائي على أي من المقاعد أو تحدث خرقاً”، معتبراً أن “الحالات الاعتراضية خجولة ومتمثلة في معظمها برجال دين أمثال صبحي الطفيلي ومحمد الحاج حسن وعباس الجوهري، إضافة إلى مجموعة يطلق عليها مصطلح شيعة السفارات، وهذه الحالات لم ترقَ إلى مستوى استقطاب حالة شعبية”.

ويؤكد حدرج أن “دور هذه الفئات محدود ويقتصر على محاولات التشويش وضرب البيت من الداخل”.

ويعترف بـ”تزايد حالات الاعتراض داخل البيئة الشيعية بعد انتفاضة 17 أكتوبر 2019 وما تلاها من واقع اقتصادي مأساوي ترجم في مواقف جريئة تنتقد الأداء السياسي لحزب الله بشكل واضح ومن دون مواربة”. ويضيف “إلا أنه، على الرغم من ذلك، لم نلحظ تجمعاً لهذه القوى الشيعية في بوتقة سياسية موحدة لها برنامج سياسي واضح، على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات، إذ لم تستطع بعد تشكيل نواة لمعركة انتخابية مقبلة”. ويشدد على أن “الأمور في معسكر حزب الله تحت السيطرة ولا خشية من إحداث أي خرق في لوائح الثنائي الشيعي”.

 

طوني بولس – اندبندنت عربية