أيّ “دولة” على الركام؟

ليس أقلّ من مهزلة إضافية كان يمكن أركان “الدولة” تجنّبها في الأيام الأخيرة لو قرّروا الاحتجاب ووفروا علينا الصور الباهتة احتراماً لمشاعر الناس. ليس ثمّة ما يثير السخرية المريرة، في بلد يعاني ما يعاني منه لبنان، أكثر من هذه المهزلة التي صار فيها اجتماع الرؤساء الثلاثة حدثاً مزعوماً وعنواناً يختصر مصير الدولة التي احتفلت البارحة بالذكرى (وهي التسمية الحقيقية والموضوعية وليس العيد( الـ78 للاستقلال المزعوم بعدما تشوّه الاستقلال وانتُهك بطبعتيه الأولى والثانية على أيدي معظم أبطال السلطة الحالية أكثر ممّا فعله أيّ محتلّ وأيّ وصيّ. إن كان لنا أن نركن الى كلام يستحق التوقف عنده في كل المهرجان الباهت الذي كان يتعيّن على أركان السلطة توفيره على يوميات اللبنانيين، فهو ذاك الذي أطلقه الرئيس أمين الجميّل في ذكرى استشهاد بيار الجميّل، محذراً من المخطط الجهنّمي المحبوك لاستكمال إسقاط لبنان وإقامة لبنان آخر مكانه. والحال أن ذاك اللبنان الآخر لم يعد موعد استيلاده بعيداً ما دام رئيس الجمهورية الذي يقترب عهده من نهايته بدأ يطلق منذ الساعة نذر مواجهة على عنوان الفراغ الدستوري المفتعل سلفاً، مهما كانت التفسيرات لهذه الآفة العونية المتملكة صاحبها في نمط ممارسته منذ تسلم رئاسة الحكومة العسكرية الانتقالية في نهايات حقبة الحرب.

بين ما يعتصر لبنان من انهيارات وكوارث راهناً وما يزمع أصحاب ذاك المخطط لتفجير بقايا البقايا من النظام والانتظام الدستوري في انتقال طبيعي للسلطة، لعلّنا لن نكون أمام لبنان آخر بقدر ما سنسأل عن التسمية الملائمة لدولة ستقوم على أطلال الجمهورية كلها. وما دمنا دخلنا في مدار العدّ العكسي للذكرى الـ16 لاستشهاد جبران تويني، وفي ظلّ ذكرى شهادتي أول رئيس منتخب في ظلّ الطائف الرئيس رينيه معوّض والنائب والوزير الشهيد بيار الجميّل، لا نجد سوى سخرية القدر في أن نستذكر انتفاضة جبران على كلّ ما كان يثير التخويف أو التأثير سلباً على معنويات الناس في عز الانتفاضة على الأوصياء السوريين في الحقبة التي أعقبت اشتعال حرب الاغتيالات على رموز الحركة السيادية. مرّة انفجر جبران غضباً لصدور المقال في هذه الزاوية بالذات بعد أيام من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تحت عنوان “عرقنة لبنان”. حتى في أعتى ظروف الحرب الإجرامية تلك لم يشأ جبران التسليم للمخطّط، وهو الذي كان ضحيّته التالية، ولكن المخطط البادئ مذذاك تلوّن وبدّل أنماطه تباعاً ووفقاً لظروف كلّ حقبة دولية وإقليمية لا أكثر ولا أقلّ. الآن بالذات، ترانا نقف أمام مفارقة ولا أخطر في استكشاف التطابق في المخططات نفسها التي تربط بين دول محور الصراع الإقليمي الدولي من اليمن الى لبنان. أليس مفارقةً مذهلة مثلاً أن نضيع مجدّداً بين معادلة عرقنة لبنان أو لبننة العراق حيث الصراعات الداخلية والطائفية وعناوين الانتخابات والفساد والتبعية تتشابك مع عناوين الصراع المحوري بين إيران والدول الأخرى؟
فيما لبنان يراهن على انتخابات نيابية ورئاسية تخلصه من أسوأ مصير بلغه، تتصاعد الخشية من إسقاط الاستحقاقين، فيما نرى في الموازاة مثلاً الصدمة الكبيرة في العراق لأن القضاء العراقي أسقط نسبة من نتائج الانتخابات الأخيرة بما يهدّد بتسعير الصراع وإطاحة فرصة التغيير. فهل هي دول تلك التي ستقوم على الأطلال، أم يجري تعميم دويلات الطوائف بالفقر والانهيارات والتبعية؟

نبيل بومنصف -النهار