مات الصبي.. أهلاً بالحرب الأهليّة

ليست مسألة قضاء، بل مسألة قدر بالنسبة إلى ميليشيا حزب الله. بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، خاض الحزب غمار الحرب المعلنة على المحكمة الخاصّة بلبنان. أعلن رفضه الحاسم للقضاء الدولي. وبعد انفجار المرفأ سارع إلى طلب تحقيق لبناني، مدفوعاً بالارتياب نفسه بنوايا المجتمع الدولي، وبإيمانه بقدراته الذاتية على تعديل المسارات القانونية في الداخل إذا ارتأى ذلك. نجح مع القاضي الأوّل فادي صوان، وفشل، حتى الآن، مع القاضي الثاني طارق البيطار. وسرعان ما استلّ من جعبة “الفوبيا” كلّ الحجج التي واجه بها المحكمة الدولية لمواجهة المحكمة اللبنانية.

لا أرضاه القضاء الدولي، ولا يرضيه القضاء المحلّي. لا يرضيه القضاء برمّته. فهذه الميليشيا تحتكم إلى القدر لا إلى القضاء.

بحسبها أنّ قدر اللبنانيّين حماية “المقاومة” فوق أيّ اعتبار آخر. وبحسبها أنّ قدر اللبنانيين الخضوع لمنطقها ومصالحها وأولويّاتها فوق أيّ اعتبار أيضاً. القدر هو مواجهة “المؤامرة” التي ترصدها عيون حزب الله في كلّ تفصيل يُزعج الحزب وقادته ومشروعه ورعاته.
اغتيال الحريري مؤامرة على حزب الله. المحكمة الدولية مؤامرة. الانتفاضة الشعبية مؤامرة. انهيار العملة مؤامرة. عدم تسلُّم حزب الله وزارة الصحّة أو وزارة المال مؤامرة. طارق البيطار كذلك. كلّها مؤامرات لا يملك اللبنانيون حيالها إلا التسليم بالقدر الذي هو حزب الله وقراره ووجهة نظره، ولو على حساب القضاء والاقتصاد والأمن والسلم الأهليّ.

ويجنّ جنونه حين لا يشاركه اللبنانيّون الآخرون القدريّة هذه، أو ما عادوا يفعلون.

لنراجع الأشهر القليلة الماضية.

اُعتُقل مسلّحوه في شويا الدرزيّة، وهم عائدون من مهمّة صليات صاروخيّة باتجاه إسرائيل. اُعتُقلوا بصفتهم “مقاومين”، وهذا أوّل اشتباك من نوعه مع حزب الله منذ اتفاق الطائف، الذي كرّس بطرق ملتوية قدرة ميليشيا على انتحال صفة المقاومة وتوظيفها في كلّ تفاصيل الحياة اللبنانية.

وفي خلدة السنّيّة، وضع “الأهالي” حدّاً لعربدة “أهالي الحزب”، بالحديد والنار في مشهد غير مسبوق، يقول علناً إنّ الحديد لا يفلّه إلا الحديد، ومنطق الرصاص لا يواجَه إلا بمنطق الرصاص. وأمّا السُنّة عموماً فبَدَوْا، قبل أيام، حتّى في “حيادهم”، أقرب إلى الترحيب بالصفعة التي تلقّاها الحزب، منهم إلى تغليب حساسيّاتهم ضدّ مسدِّد الصفعة (جمهور القوات اللبنانية) أو مَن واكبها سياسيّاً (ميشال عون) في الجهة المسيحية. فعدوّ عدوّي صديقي حتى لو كان بيني وبينه حقول ترعى فيها غزلان القطيعة.
وفي عين الرمّانة المارونيّة، ردّ “الأهالي” الصاع صاعات صاعقة، رصاصاً على الرؤوس لا على الأرجل. حتى الاختراق السياسي الأخطر في الحياة الوطنية اللبنانية، الذي عنوانه اتّفاق مار مخايل، أي وثيقة استسلام المارونيّ الأقوى أمام الشيعيّ الأقوى، بدا في مهبّ ريحِ المزايدات المسيحيّة، وعاصفةِ أمنِ المسيحيّين، الذي عاد فوق كلّ اعتبار.

هذا الانفراط الأهليّ حول هيبة حزب الله ليس صدفة. وما كان ممكناً حدوثه قبل الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي يضرب لبنان. ببساطة شديدة “مات الصبي” الذي كان الجميع في جبهة 14 آذار الراحلة يعلن أمومته، وكان الجميع بسبب من غريزة الأمومة هذه، صدقاً أو زيفاً، يُقدِمون على التسويات وفروض الطاعة أمام جبروت حزب الله.

مات الصبي إذاً، وبات التحرّر من أعباء الأمومة ممكناً. والتحرّر يأخذ صيغة الاستعداد للاشتباك مع حزب الله في الكبيرة والصغيرة، وبالسلاح وبغيره.

لو كنت مكان حزب الله لتوقّفت كثيراً أمام تفاصيل الأشهر الأخيرة، ولأعدت قراءة جدوى التلويح بالحرب الأهليّة، أو الاستثمار بخطرها لفرض ما لا أقوى على فرضه بالعضل السياسيّ داخل مؤسّسات النظام.

من شويا إلى خلدة إلى عين الرمّانة، يرتسم خطّ أهليّ، متعدّد المذاهب، يعلن جهاراً أنّ الاستعدادات لمواجهة حزب الله ليست استعدادات بسيطة، وأنّ بيروت ليست حمص أو حلب، ولا جبل لبنان كريات شمونة، وأنّ السلاح مقابله سلاح والأهل مقابلهم أهل، والحرائق تلسع الجميع بلا امتيازات لأحد.. بل لِنَقُل الأمور بصراحة أكبر. إنّ تورّط حزب الله يجعله أكثر انكشافاً أمام إسرائيل، ويتحقّق ما كان يحذّر منه السيّد حسن نصرالله دوماً، وهو انكشاف ظهر المقاومة، وهو ما يجعله الطرف الأكثر تأثّراً بحرب أهليّة كان دائم التلويح بها ابتزازاً وترهيباً قبل أن تصبح مادّة ابتزاز وترهيب له قبل غيره. فبعد موت الصبي، وتراكم الخسارات، لن يتوقّف أحد عند حسابات الخسارة، وبات لدى حزب الله أكثر ليخسره من بقيّة اللبنانيين إنْ أراد جرّ البلاد إلى حرب أهليّة.

مات الصبي يا سيّد حسن نصرالله، فأهلاً بالحرب الأهليّة.. إنْ أردتَ.. وأمّا ما يريده اللبنانيّون بصدق، فهو الوصول إلى حقيقة ما جرى لهم وبينهم، وأن يكفّوا عن أن يكونوا وقوداً لمشروع السلاح وثقافة السلاح..
مات الصبي يا سيّد حسن نصرالله، فإمّا أن نتّفق على قواعد ولادة جديدة، وإلّا فلينفرد كل منّا بأرضه وبسلاحه وبقراره. خذ سلاحك، وصواريخك، ومازوتك، وبراميلك، وأمونيومك، إلى موانئ صور والناقورة، ولْنَبْنِ لبنان الآخر في المكان المتبقّي.. دع حفنة من اللبنانيين يختبرون بناء وطن من دونك.. ولنراجع الأمر خلال عشر سنوات.. كم من شخص سيعبر من جمهورية قاسم سليماني إلى جمهورية المنبطحين أمام الغرب وعملاء السفارات وعديمي الكرامة؟؟

مات الصبي، وتغيّرت المعادلة.

نديم قطيش – أساس ميديا