حماية المسيحيين ليست في عهدة الحزب

لا يفترض ان يبدو غريباً، وإن غير مبرر، توظيف الامين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله ما يقول إن حزبه حمى المسيحيين في ظل التسليم المطلق للتيار العوني له بهذا الدور. اذ ان رئيس التيار جبران باسيل بادر في 20 حزيران الماضي إلى الاعلان عن وضع ” حقوق المسيحيين في عهدة السيد نصرالله”، قائلا “انا اليوم بدي استعين بصديق هو سماحة السيد نصرالله لا بل اكثر من هيك انا اريده حكماً واميناً على الموضوع لاني اثق به وبصدقه وأأتمنه على موضوع الحقوق”. فهذا الموقف لم يمرّ عليه الزمن فيما ان الافرقاء المسيحيين بمن فيهم الكنيسة المارونية لم يبادروا إلى حملة متكاملة لتصحيح هذا الانحراف الفكري وغسل الدماغ الذي يجعل من المسيحيين اهل ذمة باتوا يدينون باستمرار وجودهم وحمايتهم إلى بشار الأسد أو إلى “حزب الله”. لم يفوّض أحد جبران باسيل التحدث باسم المسيحيين لكن لم يكن هناك ما يكفي لدحض هذا التفويض لا سيما في ظل سعي التيار العوني للاسئثار بكل الحصة المسيحية في السلطة في غياب الآخرين. الموقف الذي أعلنه باسيل كان صادما لرؤساء بعثات ديبلوماسية اجنبية تماما كما كان تفاهم مار مخايل الموقع بين الطرفين في العام 2006. لا يفهم هؤلاء مدى الضرر الذي يصر هذا الفريق على الحاقه بالمسيحيين في ظل السعي إلى التمسك بالسلطة فيما بات كثر من هؤلاء يجاهرون بان تجربة اخذ الرئاسة في مقابل تسليم لبنان او الجمهورية ككل كان فاشلاً ومدمراً لهذا الفريق كما للمسيحيين في شكل خاص واللبنانيين عموما. ومع دخول الرئيس ميشال عون السنة الاخيرة من ولايته الرئاسية بعد أيام معدودة، فان احداث الطيونة التي توجت محاولة استفزاز من الحليف الشيعي للشارع المسيحي الحساس جدا في هذه المنطقة بالذات والمنطق الذي ساقه الامين العام للحزب تنزع ورقة التين التي لا يزال يتحصن بها هذا الفريق بالدفاع عن المسيحيين واستعادة حقوقهم.

والمؤسف ان ردود الفعل على ما قاله نصرالله سياسية انفعالية ولا تضع النقاط على الحروف ان لجهة المحاججة المتصلة بمواقع حماية الحزب للمسيحيين او بمناقشة الاساليب والنتائج. فالحرب السورية التي يتخذ فيها النظام السوري من المسيحيين درعا له لاكتساب شرعية غربية ومن ضمن تجميع الطوائف في مواجهة الطائفة السنية ادت إلى افراغ شبه كامل لسوريا من المسيحيين. فحين اندلعت الحرب في سوريا في العام 2011 وكان مسيحيون كثر يسعون قبل الحرب إلى البحث عن جنسية لبنانية او اي جنسية اخرى كان عدد هؤلاء يقارب 2.2 مليون نسمة وتراجع هذا العدد إلى ما يقارب 600 الف شخص في هذه السنة وفقا لمؤشر اضطهاد المسيحيين في انحاء العالم وفقا لما نشرته منظمة ” اوبن دروز” غير الحكومية ، وهذا فيما يطرح النظام العلوي نفسه طرفا من ضمن حلف الاقليات الذي اصاب بلوثته بعض الافرقاء المسيحيين الذي يقولون انهم يخشون المحيط السني فيما ان احدا منهم لم يسائل ” حزب الله” مثلا عن نتائج حربه في سوريا والتي ساهمت في تهجير بلدات سنية كالقصير وسواها إلى لبنان مما ساهم في زيادة عدد اللاجئين السوريين الذين يعتبرهم التيار العوني كما افرقاء مسيحيون كثر مهددين للديموغرافيا اللبنانية . وهذا صحيح ودقيق ولكن التيار فشل وسيفشل في اقناع حليفه النظام السوري في اتاحة الفرصة لبعض اللاجئين للعودة من اجل مصالح تحالف الاقليات في حال كان متوازنا او في إطار تبادل الخدمات والحفاظ على العلاقة بينهم. وهو الامر الذي ينسحب على حليفه الشيعي باعتبار ان التحالف يكون على قدم المساواة وليس في استضعاف فريق او استباحة ساحته لا بل تبرير ما قام به والسماح له باللعب بالساحة المسيحية وحساسيتها ايضا. لا بل لم يبادر أحد إلى تحديد الكم الهائل التي حصدها ” حزب الله” من تغطية مسيحية يتيمة لاكثرية نيابية وحكومية تركت تداعيات مخيفة على البلد ما قبل رئاسة عون وخلالها.

ثمة ملامة وعتب كبيران على الكنيسة بمقدار ما هما على النخب المسيحية التي تفتقد إلى اي حضور وبوصلة من اجل تصحيح المسار السياسي لفرقاء طغت مصالحهم المباشرة على مصلحة المسيحيين ومصلحة اللبنانيين. فهناك في اي عهد رئاسي اسباب موضوعية لفشله على صعد ومستويات متعددة لا يد له فيها احيانا ولكن هناك اسباب مباشرة تتصل بادارة البلد وشؤونه وهذه الادارة سجلت فشلا ذريعا لعهد التحف بدوره بحلف الاقليات فكان كما في عهد سلفه اميل لحود كارثيا على البلد وسمح للحزب ان يسيطر على قرار الدولة ويتحكم بها. يجب ان يشرح اصحاب نظرية حماية المسيحيين وقائع وظروف هذه الحماية بعيدا من استحضار ما سمي تنظيم الدولة الاسلامية الذي كان تهديدا للانسانية وجميع الطوائف وليس للمسيحيين فحسب، ما لم تكن هذه الذريعة ترفع لاستمرار العداء من التيار العوني للسنة تحت شعار استعادة الصلاحيات الرئاسية منهم او في تبرير استمرار ثنائية مسيحية شيعية وان غير متكافئة وفق كلام السيد نصرالله في البلد تبعد الطائفة السنية وتبقي اليد العليا في يد المحور الايراني الذي يشمل ايضا النظام السوري.
وهذا ما يثير خشية من تغيير في الانتخابات او زيادة حجم افرقاء كالقوات اللبنانية بما من شأنه اضعاف ما يسمى حلف الأقليات.

موقع المسيحيين مخالف للمنطق والتاريخ وليس هذا دورهم فيما ان كلام نصرالله غير مبرر وغير مقنع على رغم نجاحه في تحييد الانظار عن الاتهامات التي يمكن ان تطاول الحزب نتيجة انفجار المرفأ ومسؤوليته المحتملة وفي تدجين القضاء والدولة تحت شعار تجنب الحرب الأهلية. وهذا يطاول ما تبقى من عهد ميشال عون الذي سيسجل في خانته كل ما اصاب البلد في عهده ما دام التحالف مع الحزب سمح باستباحة البلد وطوائفه.

 

روزانا بومنصف – النهار