جعجع في مواجهة خطر شخصي من “الحزب”!

عبرت أحداث الخميس الأسود بسلام الجلسة النيابية العامة الأولى في الدورة العادية الحالية. والأنظار متجهة الآن إلى اول جلسة لمجلس الوزراء بعد تعليق اعمال الحكومة بسبب تلك الاحداث. لكن في موازاة ذلك، ثمة إجماع على المطالبة بإصدار نتائج التحقيقات في تلك الاحداث لوضع الأمور في نصابها وتحديد المسؤوليات. وفي انتظار هذه النتائج، هناك معطى بالغ الأهمية يمكن وصفه بأنه الشرارة الأولى التي دفعت الاحداث في اتجاه مأسوي أسفر عن سقوط 7 ضحايا وعشرات الجرحى، ما يمكن اعتماده دليلا على ان هناك من أطلق تلك الشرارة. إنه السر الكبير، فما هو؟

على ضفتيّ الاحداث هناك رواية متشابهة في المضمون ولو بدت مختلفة في الشكل، وجاءت تباعاً على لسان رئيس حزب “#القوات اللبنانية” #سمير جعجع ثم على لسان الأمين العام لـ”#حزب الله” حسن نصرالله. بداية مع ما قاله جعجع مساء يوم الاحداث، أي في 14 الجاري:

“الحادث وقع في أحد أزقة عين الرمانة، وما حصل هو ان التظاهرة مرّت وتوجّهت باتجاه العدليّة وانضمت إلى من كانوا موجودين هناك وهذا أمر طبيعي، وحق كل لبناني. وإذ أتى من ظهروا على جميع وسائل الإعلام ولا سرّ بهويتهم، حاولوا الدخول إلى عين الرمانة من المفترق الأول فتصدى لهم الجيش، فحاولوا الدخول من المفترق الثاني فعاد الجيش وصدّهم، إلا أنهم عندما وصلوا إلى المفترق الثالث كان قد كبر عددهم وأصبحوا نحو مئة أو مئتي شخص، وكان يقف عند هذا المفترق ثلاثة أو أربعة عناصر من الجيش فهجموا عليهم ورموهم جانباً، وهذا الأمر واضح تماماً في الفيديوات وموثّق، ودخلوا باتجاه عين الرمانة. بدأوا أولاً بتكسير السيارات الموجودة في المحيط فاصطدموا بالأهالي، وهناك حصل الحادث الأول، إلا أنه ليس الحادث الذي أوقع الضحايا التي سقطت”.

نصرالله وفي كلمة متلفزة في 19 الجاري قال: “آخر مجموعة (من المتظاهرين) كانت تريد أن ‏تذهب من الطيونة إلى قصر العدل. وفي الطريق حصل إشكال ما، فلنفترض أنه ‏يبدو في التلفاز، حصلت شعارات مخطئة، أنا لا أجامل، الشباب استُفزوا خطأ، الذي ‏استفزهم أخطأ، وهم استُفزوا، أو إذا هم استُفزوا هم أخطأوا…”

دخول قسم من المتظاهرين، كانوا في آخر التظاهرة الأصلية إلى عين الرمانة، كما قال جعجع، والذي وصفه نصرالله بـ”إشكال ما”، هو ما يجب التعامل معه بكل اهتمام إذا كان المراد الوصول إلى حقيقة ما جرى الخميس الماضي. ربما نحن هنا أبعد عن شرارة 13 نيسان 1975 التي أشعلت حرب لبنان في الربع الأخير من القرن الماضي. فعندما دخلت الحافلة التي أقلّت فلسطينيين إلى عين الرمانة في ذلك اليوم المشؤوم، فهي عبرت بعد ساعات من سقوط قتيل هو مسؤول في حزب الكتائب في ظروف مشبوهة في المنطقة نفسها، ما أوحى ان مجزرة الحافلة برصاص الكتائبيين كانت ثأرا.

الأقرب شبهاً لما جرى قبل ثمانية أيام هو ما حدث في 7 أيار عام 2008 عندما انبرى “حزب الله” وحلفاؤه إلى شنّ حملة عسكرية في بيروت والجبل ردا على قرارات حكومية رفضها الحزب. وما حصل في بيروت آنذاك، ان قوى 14 آذار وفي طليعتها تيار “المستقبل” إنكفأ عن خوض المواجهة بقرار من زعيمه الرئيس سعد الحريري، والذي كان أصلا لا يملك مقومات المواجهة الأمنية. أما الجيش فقام بدور بدا أقرب إلى الحياد منه إلى التدخل من اجل فرض النظام. لكن هذا الشبه مع 7 أيار قبل 13 عاما ينتهي عند حدّين: الحد الأول، ان عين الرمانة سنة 2021 ليست بيروت الغربية عام 2008. كما ان الجيش عام 2008 ليس هو الجيش سنة 2021. ولذلك ذهبت الاحداث اليوم في اتجاه مختلف وما زلنا في مسار هذا الاتجاه.

تقول شخصية بارزة في المعارضة الشيعية لـ”النهار” الآتي: “ان هناك قناعة بأن حزب الله لن يسقط من حسابه الرد الذي حدد وجهته وهو القوات اللبنانية عموما، وجعجع خصوصا. من هنا يبرز خوف حقيقي على سلامة رئيس حزب القوات، آخذين في الاعتبار ان الأخير تعرّض سابقا لمحاولة اغتيال عبر إطلاق النار من على مسافة مئات الأمتار في مرتفعات معراب. من هنا لا بد من توفير حماية فعلية له، ليست داخلية فحسب، وإنما المطلوب حماية خارجية من فرنسا والولايات المتحدة، وحماية عربية من مصر. وهذه الدول تملك كل الوسائل الناجعة لتوفير مثل هذه الحماية”.

وأعادت هذه الشخصية إلى الاذهان ما جرى عام 2005، عندما واجه “حزب الله” مسار التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ففي ذلك العام إنطلقت موجة اغتيالات طاولت رموز 14 آذار. ولفتت إلى “ان لبنان الآن يمرّ بمنعطف تحقيق قضائي في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب والذي يقف حزب الله في وجهه كما فعل إزاء التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري. ولا بد من التحسب من تكرار تداعيات مماثلة”.

بالعودة مرة أخرى إلى ما جرى الخميس الماضي، لا بد من طرح السؤال: مَن قرر ان يدخل مرتدو القمصان السود إلى عين الرمانة، لكي تصل التداعيات إلى ما وصلت اليه؟ في السابق، قال نصرالله حول ما حصل في حرب تموز عام 2006 “لو كنت أعلم”، قبل ان يتراجع عما قاله. فهل هناك تكرار لعدم العِلم بمن دبّر واقعة الدخول إلى عين الرمانة، أم ثمة أمر آخر؟

لا بد من مراقبة مواقف “حزب الله” وسلوكه من الآن فصاعدا، إذ ليست هناك ضمانة ألّا يكرّر ما فعله في محطات مماثلة منذ العام 2005.

أحمد عياش -النهار