ثلاثة أيام كرّست جعجع زعيماً وطنياً!

بعد انقشاع غبار المعركة التي حصلت في شوارع بدارو وفرن الشباك والطيونة وعين الرمانة يوم الخميس الفائت، بدأت تظهر الحقائق والوقائع بوضوح، وتشير إلى عملية كبيرة خطّط لها “حزب الله” لاستهداف “القوات اللبنانية” كونها تزعج مشروع هيمنته على لبنان وضرب مؤسسات الدولة وخصوصاً القضاء في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يمكن اخفاء أي شيء في لبنان وخصوصاً في عصر التكنولوجيا والشاشات والكاميرات، فانقلب السحر على الساحر، وكل ما حصل صبّ لمصلحة “القوات” ولا سيما رئيسها سمير جعجع، فماذا حصل؟ وكيف خرج جعجع منتصراً؟

الشعب ضاق ذرعاً بتصرفات حزب الله واستقوائه ومكابرته وطريقة تعامله مع القاضي طارق البيطار، وكاد أن يفقد الأمل بوجود قوى يمكنها مواجهة ما يرتكبه “الحزب” من اعمال تقوّض مفهوم الدولة، فمعظم القوى أصبحت متخاذلة أو مستسلمة للواقع، تتفادى “الحزب” خوفاً على السلم الأهلي، فتتنازل هنا وهناك، ترفع صوتها حيناً ثم تتراجع أحياناً أخرى، وهذا شأن تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي اللذين يعتبران أن المرحلة خطيرة ويجب مهادنة “الحزب” لئلا يدير سلاحه إلى مناطق نفوذهما وانصارهما، ويبدو أن “الحزب” يستفيد من هذه السياسة المتبعة لتحقيق المزيد من السيطرة وتجييرها لخدمة ايران، مما انعكس على لبنان عزلة عربية ودولية وانهيار اقتصادي وفوضى اجتماعية وضياع مسار العدالة.

أمام هذا الواقع، بدت لافتة مواقف “القوات اللبنانية”، بل أنها تغرّد خارج السرب بخطاب سيادي وتغييري واضح من دون مواربة، داعمة القضاء وتحقيق القاضي البيطار حتى النهاية، فيما ظهر الآخرون مترددين أو متحفظين، وسرعان ما صعّد “حزب الله” مواقفه ضد البيطار مع تهديدات واضحة وضغوط كبيرة، وصولاً إلى كلام “عالي السقف” بضرورة “قبعه” والنزول الى الشارع وربما تنفيذ 7 أيار جديد.

لا يختلف اثنان على ان “حزب الله” يعمل للانقضاض على القضاء، وظّن الجميع أن الطريق مفتوحة أمامه ولا أحد يمكنه مواجهته بعدما اعتاد على تحقيق ما يريده بالسياسة والشارع أو من خلال استخدام القوة والسلاح.

لكن “القوات اللبنانية” كان لها كلام آخر، واعتبرت أن الأمور بلغت الخط الأحمر ولا يجوز أن تبقى صامتة وتشاهد الدولة تترنّح أمام ضربات “الحزب”، وهنا اتخذت قراراً بالمواجهة السياسية مقررة خطوات عملية بصرف النظر عن ما يخطط له “الحزب” من افخاخ وكمائن. ودخل لبنان في ثلاثة أيام من التوتر الشديد، كانت فيها “القوات” الرقم الصعب في التصدي لمشروع “الحزب” من دون حسابات سياسية، إنما تنفيذاً لاستراتيجية المحافظة على القضاء وحماية آخر حصون الدولة، وممارسة ضغط مقابل ضغط “الحزب” ليعرف ان الساحة ليست خالية له وحده، وبأن القاضي البيطار ليس متروكاً.

فماذا فعل جعجع؟ وما هي مكتسباته؟

أولاً، شعر جميع اللبنانيين ابتداء من يوم الأربعاء 13 تشرين الأول بشعور أن ثمة اسلوباً مختلفاً يتكلم فيه جعجع مباشرة بعد انتهاء اجتماع تكتل “الجمهورية القوية” إذ انتقل من الكلام السياسي العادي إلى الكلام عن خطوات عملية لأن الوضع لا يحتمل مواقف كلاميّة فحسب، وبالتالي كان لا بد من التحرّك سريعاً وخصوصاً أن جعجع اعتبر منذ حصول انفجار مرفأ بيروت انه قضية “القوات” ولن يتساهل بمسألة تحقيق العدالة، فدعا اللبنانيين إلى الاستعداد لإقفال عام شامل سلمي في حال لجأ “حزب الله” والفريق الآخر إلى فرض إرادته في ما يتعلق بالتحقيق بتفجير مرفأ بيروت. من هنا كان واضحاً من كلام جعجع ان التحرك سيكون أشبه باضراب ربما يتحوّل اضراباً مفتوحاً، ولم يستبعد اللجوء الى الشارع، وهذا مسموح به باللعبة الديموقراطية، فالشارع ليس حكراً على أحد. هذه المواقف القوية استقطبت تأييداً كبيراً من جميع اللبنانيين بكل اطيافهم وطوائفهم، إذ شعروا للمرة الأولى ان هناك قائداً سياسياً يواجه بصراحة ومن دون لف دوران أو خوف. فالشعب اللبناني شبع تنازلات أمام ما يمارسه “الحزب” من فجور سياسي واستكبار على الآخرين، ويطمح إلى صوت يقول “لا” لهذه الممارسات ويشكّل قوة مقابلة له تعيد التوازن إلى البلد، وهذا ما شعر به الشعب في تلك الليلة.

ثانياً، حصل ما حصل ما بين قصر العدل وبدارو وفرن الشباك والطيونة وعين الرمانة، لكن بدا من كل التحقيقات المصورة والفيديوهات ان “حزب الله” كان راسماً هذا السيناريو مسبقاً، بكل تفاصيله بدءاً من ما جرى مع المتظاهرين أمام قصر العدل، مروراً بالتحرك السريع نحو شوارع عين الرمانة وترويعها باطلاق النار عشوائياً واستهداف اهاليها بالـB7، وصولاً إلى اتهام “القوات” بنصب كمين والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور حتى الطلب بحلّ حزب “القوات”! لكن في المقابل، لم يظهر اهالي عين الرمانة أي خوف وشكّلوا درعاً لحماية المنطقة مع كل جهود الجيش اللبناني لحمايتهم. إلا أن القوات كحزب لا علاقة له بكل ما حصل من اطلاق نار، ولو كان عدد كبير من الأهالي من مناصري “القوات”. والأهم أن جعجع لم يتخل عن الأهالي وبقي بمواقفه صلباً ضد ما فعله “الحزب” من اعتداءات وانتهاكات لحرمة الناس واستقرارهم. والأهم أنه لم يتراجع أمام تهديدات “الحزب” والحملات الاعلامية الضارية ضده وضد حزبه، داعياً إلى ان تقوم الأجهزة الأمنية بعملها وتأخذ العدالة مجراها. كل ذلك شدّ العصب المسيحي حول جعجع الذي بدا المدافع الأول عنهم ولم يهرب كالآخرين، وهذا ما يخدمه عشية الانتخابات النيابية، إذ أصبح في نظر المسيحيين الرجل الأقوى ويمثّل المشروع الآخر مقابل مشروع جبران باسيل المتماهي مع “حزب الله” سعياً إلى المصالح الخاصة وطموحه إلى رئاسة الجمهورية من دون حرص على المبادئ والثوابت المسيحية والسيادة.

ثالثاً، شعر المسلمون أن كلام سمير جعجع وصلابته بمواجهة “حزب الله” يعبّر عن تطلعاتهم، ويقدّم لهم مشروعاً مقاوماً جدياً ضد الهيمنة الايرانية وسلاح “حزب الله”، بل هو مشروع أعاد اليهم الأمل بـ14 آذار بعيداً من تخاذل أحزابها واستسلامها، حتى امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتأييد عارم لـ”القوات” ورئيسها على نحو غير مسبوق، ولو أراد جعجع الدعوة إلى تنفيذ اضراب او تظاهرة الآن سيشارك فيها كثر من المسلمين لأن مواقفه أكسبته ثقتهم، والناس تميل إلى “القويّ” بطبيعتها وهذا ما حصل مع مؤسس “القوات” الشهيد بشير الجميل عندما انتخب رئيساً عام 1982. لقد قدّم “حزب الله” خدمة لرئيس “القوات” وكرّسه زعيماً وطنياً خلال ثلاثة أيام من الأخطاء المتتالية والعنجهيّة القاتلة.

لقد طغى 14 تشرين على ذكرى ثورة 17 تشرين، التي بدت مبعثرة وباهتة نتيجة أنانية بعض الشخصيات والمجموعات فيها وعدم ارتقائها إلى مستوى الأحداث، وغرقها في التعميم المنفّر من دون اعتماد المحاسبة الحقيقية والتصويب على علّة لبنان الأساسية وهي سلاح “حزب الله”. فـ”القوات” تقدّم خطاباً واضحاً مختلفاً عن هذه المنظومة المتكاذبة والفاسدة، وتواجه مشروع “حزب الله” بجديّة، وبالتالي باتت هي الثورة الحقيقية، ومن يريد التغيير الحقيقي وانقاذ لبنان، رسم له جعجع السقف، ومن يتكلم تحت هذا السقف سيلفظه الشعب فوراً!

 

جورج حايك-اخباركم