العهد وسائر “الأشرار”!

يدهم عامل الزمن وعداده التنازلي العهد ورئيس تياره فلا يفسحان أمام رئيس الحكومة الجديدة ولا أمام حكومته حتى الفرصة الأولية للملمة الثقة النيابية ومحاولة مصالحة الناس مع السلطة في هدنة معالجة الكوارث واحتوائها. استعجل الرئيس الذي ستبدأ بعد شهر سنته الأخيرة “رئيسا قويا” فاقت حدود قوته كل المعقول الى حدود انهيار “ايقوني” للبنان، أطلاق آخر تقليعات الشعبوية التي لا يزال محبوه يهوون إيقاعاتها على رغم كل الويل المتهاطل على اللبنانيين، فقفز الى مسالة التدقيق الجنائي ليحصر إنجازه الأعظم بتوقيع العقد وليبشرنا، نحن معشر البائسين الذين صارت حياتنا في آخر سنوات عهده موزعة بين طوابير الذل وطوابير الأذل بان سنته الأخيرة ستتدفق علينا اصلاحات. لا تقف الطرافة هنا، بل ان سيد العهد ينقض تكرارا على المنظومة الفاسدة اللعينة التي يتهمها بانها أفسدت عهده وأمعنت فيه تخريبا ولكن لا بأس في ان يعود ويشاركها ويشاطرها السلطة سواء بسواء وبشراكة كاملة ناجزة ما دام جبران باسيل ابرم صفقة الشراكة مع نجيب ميقاتي وسوف تتقدم كتلته النيابية اليوم صفوف مانحي الحكومة الثقة، وكان الله يجب المحسنين.

والحال اننا لا ندري فعلا، وبعد، أي تصنيف يمكن ان ينطبق على سلوك سياسي بهذه المواصفات التي تتفجر لا بالشعبوية الباهتة المستهلكة فحسب وانما بالازدواجية الفاقعة المتهالكة لفرط ما استعملت ولا تزال تشكل المحور الدائم في إدارة ما يسمى دولة. جرى ويجري ذلك فيما يهاجم مسؤولون ونواب وأنصار العهد أي صاحب صوت يتجرأ على السؤال اين فتات وبقايا السيادة يا سادة مع تجاهل الحزب الحديدي كل ما يسمى دولة وحكومة وأجهزة وشرعية ويروح يوظف ازمة المحروقات في استعراضات النفوذ الإيراني في العديد من المناطق اللبنانية. ويتفرغ العهد وتياره لمحاولات القنص الجديدة على شركاء يستحقون وأكثر هذا الهوان لفرط ما تهاونوا مع أساليب الازدواجية وتماهوا معها او خنعوا أمامها ولكن تكلفة معاركهم الجديدة ستزيد الأثقال على الناس بما يضعهم امام آلية المنشار الذي يأكل الخشب طلوعا ونزولا. صارت القضية المقدسة الان عند العهد وتياره الاقتصاص من شركاء تجمعهم “عقيدة” بل أيديولوجية العداء لجبران باسيل المتعفف الصادق عن خوض أي كلام في معركة رئاسة الجمهورية وترشحه “المحتمل” لها ما دام الرئيس عون في بعبدا، ونكاد نهلع خوفا متسائلين كيف لحظوظه ان تأخذ مداها إذا كان لن يتحدث الا بعد مغادرة العماد عون قصر بعبدا؟

قد يسأل سائل اليس في عيونكم قذى الازدواجية والشعبوية سوى العهد وصهره وتياره، وهذا سؤال مشروع. ولكن الا يتساءل أنصار العهد لمرة عن سر التعايش الذي عمره أكثر من 15 سنة في السلطة بين تياره والشركاء “الأشرار” هؤلاء؟ الا يقفون للحظة امام شراكة الفراغ والتعطيل التي تتراكم سنواتها الى حدود أكثر من نصف السنوات تلك والتي تقاسم البطولة فيها التيار العوني وحزب الله وكانت آخر مآثرها الازمة الحكومية الطويلة الأخيرة التي قوضت تماما بقايا الصمود الاجتماعي للبنانيين؟ الا ترون اننا نمرض ونشيخ وننفجر يأسا في طوابير الذل؟ وأي سر هذا في اختيار التوقيت السحري عشية انطلاق حكومة يعدون الناس بانها ستحمل إليهم جرعات التنفس فينقض العهد وتياره على شركائهم ويفخخون شريكهم الحكومي؟ عساها تكون الأيام الاتية مغايرة لنياتنا السيئة!

 

نبيل بومنصف – النهار