بعد اعتذار الحريري: حكومة… أو استقالة عون

لبنان. ميشال عون. ميشال سليمان. سعد الحريري. رئيس الجمهورية. رئيس الحكومة. الاعتذار. التأليف. الدستور. حزب الله. جبران باسيل. البطريركية المارونية. الأمم المتحدة. جامعة الدول العربية. مصطفى أديب. وليد جنبلاط. المسيحيين. إيلي القصيفي
أيّ وصف يصحّ للحالة اللبنانية الراهنة؟ هل هي سورياليّة؟ مأساويّة؟

في الواقع، تنطبق الأوصاف الأشدّ سلبيّة كلّها على الأوضاع اللبنانية الحالية، لكن لا وصف سياسيّاً أدقّ من أنّ لبنان يعيش منذ انتخاب ميشال عون حالة لادستورية صافية. بل إنّ طلائع هذه الحالة قد بدأت منذ انتهاء ولاية ميشال سليمان وبداية تعطيل انتخاب خلف له تحت عنوان: “عون أو لا أحد”. هذا من دون نسيان مراحل تعطيل تشكيل الحكومة، مرّة كرمى لعيون “الصهر”، ومرّة لأنّ “حزب الله” يريد الثلث المعطِّل، ومرّات لأنّ الظرف الإقليمي يقتضي تأخير ولادة الحكومة في لبنان… حتّى لو انهار البلد فوق رؤوس أهله واللاجئين.
بات لبنان عمليّاً منذ 7 أيار 2008 بلداً تخضع كل استحقاقاته الدستورية لموازين القوى. هذه الموازين هي ما يقرّر متى تُجرى الاستشارات النيابية الملزمة؟ ومتى تؤلَّف الحكومة؟ وما دور رئيس الجمهورية في تأليفها؟ وهو رئيسٌ لا مسؤوليّة سياسيّة عليه، فلا يُساءل أمام البرلمان، ولا يمكن أن يساوي توقيعه على التشكيلة الحكومية توقيع رئيس الحكومة المسؤول سياسياً أمام البرلمان، وإلّا نكون قد انتقلنا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي. وهذا ما يريده العهد، ومن ورائه “حزب الله”، شرط إمساكه بالرئاسة الأولى.

لقد كُلِّف سعد الحريري تسعة أشهر بتشكيل الحكومة، لكنّه في نهايتها اعتذر عن تأليفها. هذا الأمر جعل “الخارج” مصدوماً، وقد ظهر ذلك في تعليقات مسؤوليه، سواء وزيرا الخارجية الأميركي والفرنسي أو مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي أو كلا الأمينيْن العامّيْن للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. فكيف يمكن أن يستمرّ تكليف رئيس مكلّف تسعة أشهر في بلد تفكّكت أوصال دولته، وبات على شفا المجاعة والانفلات الأمنيّ، وفي النهاية لا

تُؤلَّف الحكومة؟ فإذا كان هؤلاء المسؤولون يعرفون حقيقة الوضع اللبناني، إلّا أنّه لا يسعهم إلّا أن يستغربوا ما حصل، وهو فعلاً غريب!

في وضع كهذا لا يعود مهمّاً مَن المسؤول عن عرقلة تشكيل الحكومة، لكن يبقى المسؤول الأول عن تسيير مؤسسات الحكم هو رئيس الجمهورية الذي تنصّ الفقرة الـ49 من الدستور على أنّه رئيس الدولة، أي أنّه مؤتمن بموجب قسمه على الدستور، وهو الوحيد الذي يقسم عليه، على استمرارية الدولة بمؤسّساتها جميعاً.

لكنّ الأمر الأهمّ أنّنا بتنا في بلد فَقَد الدستور فيه معناه، فبتنا عمليّاً في دولة بلا دستور.
جبران باسيل و”حزب الله” يطالبان بتعديل الدستور لتحديد مهلة للرئيس المكلَّف، وكأنّهما يقولان إنّ مسؤولية تأخير تأليف الحكومة تقع على الرئيس المكلّف، في وقت الرئيس عون يريد أن يشارك في عملية تأليف الحكومة تماماً كما الرئيس المكلّف، مع أنّ الدستور وضع الرئيس فوق ذلك. إذ لم يخوّله التصويت داخل مجلس الوزراء، ولم يخصّص له حصّة وزارية. وكلّ ذلك لكي يبقى الرئيس فوق اللعبة السياسة وحَكَماً عليها.

هذا دليل آخر على سعي هذين الفريقين إلى تحويل النظام من برلماني إلى رئاسي. لأنّ مهلة التأليف في منظورهما تُعفي رئيس الجمهورية من مسؤوليّته، فإذا لم تعجبه التشكيلة الحكومية المقدّمة إليه وفاتت مهلة التكليف، يعتذر الرئيس المكلّف، ويدعو رئيس الجمهورية إلى استشارات نيابية ملزمة، فيُكلِّف شخصاً آخر بتأليف الحكومة، وهكذا دواليك.

واقعياً هذا ما حصل منذ استقالة حكومة حسّان دياب بعد انفجار الرابع من آب. إذ كُلِّف السفير مصطفى أديب بدفع من المبادرة الفرنسية، لكن لم يكد يمضي شهر على تكليفه حتّى اعتذر. ثمّ كلّف سعد الحريري، لكنّ الاعتذار تأخّر تسعة أشهر هذه المرّة، على الرغم من أنّه كان معلوماً علم اليقين أنّ العهد لن يقبل بحكومة لا يكون له فيها الثلث المعطِّل. والحزب جاراه في هذا المطلب، خصوصاً أنّه لم يستعجل يوماً تشكيل الحكومة. فإذا شُكِّلت وكانت تركيبتها تناسبه وتُظهر غلبته السياسية كان به، وإذا لا “فستين عمرا ما تتشكّل”… حتّى لو وصل سعر الدولار الأميركي إلى 100 ألف ليرة.

إذا كان المشترع لم يضع مهلة للرئيس المكلّف لتأليف حكومة، فهو افترض أنّ التأليف لا يُحدَّد بمهلة لأنّه يكون بأسرع وقت. وإلّا فإنّه حين تُحدَّد مهلةٌ للتأليف يصبح ممكناً التذرّع بظروف استثنائية حالت دون التأليف، وتُمدَّد حينئذٍ هذه المهلة مرّة واثنتين وثلاثاً…

لذلك أُبقِيت مهمّة الرئيس المكلّف بلا مهلة لأنّها تقتضي العجلة من قبله ومن قبل رئيس الجمهورية. أمّا أن يتعذّر تأليف الحكومة منذ سنة، وعلى يد رئيسين مكلّفين، فقط لأنّهما لم يستطيعا الاتفاق مع رئيس الجمهورية على التشكيلة الوزارية، فهذا يضع المسؤولية على الأخير لأنّه لم يفشل مع رئيس مكلّف واحد بل مع اثنين، وربّما يفشل مع الثالث الآن. ذلك والبلد مهدّد بالزوال، كما صرّح وزير الخارجية الفرنسي أخيراً. ولو لم يصرّح فاللبنانيون يعيشون كلّ يوم مأساتهم المتفاقمة.

لقد قال وليد جنبلاط منذ مدّة إنّ المطالبة باستقالة عون يجب أن تنطلق من جهات مسيحية. لكنّ الواقع أنّ بقاء عون في سدّة الرئاسة أو استقالته ليسا مسألة مسيحية، بل وطنية، لأنّ رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة. فمتى عجز الرئيس عن الحفاظ على استمرارية هذه الدولة، أيّا تكن الأسباب، فهو مسؤول سياسياً أمام الشعب اللبناني. لذا المطالبة باستقالته واجبة، بل ضرورية، وذلك لتعذّر اتفاقه مع الرؤساء المكلّفين تشكيل الحكومة.
الآن اعتذر سعد الحريري، ولبنان ينتظر تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصيّة جديدة تأليف الحكومة. فإذا لم تؤلَّف الحكومة على وجه السرعة، وشهدنا مرّة جديدة رفض العهد المتتالي للتشكيلة الوزارية، فإنّ مطلب استقالة ميشال عون يصبح وقتذاك أشدّ إلحاحاً بكثير، بل يصبح حتمية وطنية، سواء أحبّت “الجهات المسيحية” ذلك أو لم تحبّ.

لبنان ليس للمسيحيين، وإنّما المسيحيون للبنان، كما تقول أدبيّات البطريركية المارونية، ورئيس الجمهورية ليس رئيساً للمسيحيين ولتيّاره السياسي، فإمّا يكون رئيساً للدولة أو فليستقِل.

 

إيلي القصيفي – أساس ميديا