الأسد يبتزّنا بـ”ودائع السوريّين” بعد تحسّسه قرب وقف الدعم

في أقلّ من 9 أشهر، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية والنقدية الخانقة، زادت أموال المودعين السوريين في لبنان نحو 40 مليار دولار، لكنّ هذه الزيادة موجودة فقط في مخيّلة رئيس النظام السوري بشّار الأسد، الذي أراد أن يكذب في لحظة قَسَم تنصيبه رئيساً لنظام دولة فارغة من المقدّرات والثروات والطاقات، وزاخرة بالجيوش الأجنبية والأساطيل والميليشيات. قَسَم يعيده رئيساً لدولة نصف شعبها مهجّر خارج الحدود، فيما أرضها وسيادتها مستباحة ولا سلطة له عليها.

يعرف الأسد جيّداً أنّ دعم مصرف لبنان للمحروقات شارف على الانتهاء، فاختار أن يبتزّ اللبنانيين من بوّابة الودائع السورية، بل بالأحرى من بوّابة ودائع المواطنين السوريين، وليس ودائع الدولة السورية أو النظام. هو يعتبر أنّ ما للمواطن السوري هو للنظام، وهي استباحة إضافية يمارسها فوق الاستباحات كلّها التي يمارسها بحقّ السوريين منذ عام 2011.
خلال شهر تشرين الأول الفائت، أطلّ الأسد في تسجيل فيديو واعتبر أنّ “السبب الجوهري لتفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا يعود إلى حجز ودائع بمليارات الدولارات تعود لسوريّين في البنوك اللبنانية”. في حينه كشف الأسد أنّ “ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربّما فقدت في القطاع المصرفي اللبناني، وهذا الرقم بالنسبة إلى اقتصاد سوريا رقم مخيف”.

ثمّ عاد الأسد إلى المعزوفة نفسها قبل أيام، وقال السبت “إنّ العائق الأكبر أمام الاستثمار في البلاد يتمثّل في الأموال السورية المجمّدة في البنوك اللبنانية المتعثّرة”، وإنّ التقديرات تشير إلى وجود “ما بين 40 مليار دولار و60 ملياراً من الأموال السورية المجمّدة في لبنان… وكلا الرقمين كافٍ لإحباط اقتصاد بحجم اقتصادنا”.

كشف مصدر مصرفي لبناني لـ”أساس” أنّ “تقديرات الأسد ليست دقيقة على الإطلاق، لأنّ الودائع السورية في لبنان هي في حدود 6 أو 7 مليارات دولار فقط، بحسب التقديرات. وهي مشتركة بين لبنانيين وسوريين بسبب شراكات عمل، أو للبنانيين من أصول سورية مجنّسين، وهؤلاء من عائلات عريقة موجودة في لبنان منذ عقود”.

أكّد المصدر نفسه “ضرورة التفريق بين الودائع السورية قبل عام 2011، أي قبل اندلاع الثورة السورية، وبين الودائع التي وصلت إلى القطاع المصرفي اللبناني بعد الثورة”.

فقبل عام 2011، أبقى معظم السوريين أموالهم في المصارف السورية، ولم يودعوها في المصارف اللبنانية، لأنّه خلال تلك الحقبة كان لبنان، في جزء منه على المستويين الشعبي والرسمي، في حالة مواجهة مع النظام السوري، وذلك من خلال التُهم التي وُجّهت إليه باغتيال الحريري، ومن خلال لجان التحقيق الدولي وما استتبعها من محكمة دولية وحكومات لـ14 آذار… لذا ما كان رجال الأعمال السوريون ليجرؤوا على نقل أموالهم إلى بلد “شبه معادٍ” للنظام السائد في بلدهم، وكان جلّهم أصلاً “مقرّبين من النظام”.

أمّا بعد عام 2011، خرجت أموال من سوريا، ودخلت النظام المصرفي اللبناني، لكن “بشكل مؤقّت”، أي على شكل “ترانزيت” أو محطة، قبل نقلها مرّةً ثانيةً إلى دبي أو تركيا أو مصر. لكلّ هذا، لم يكن كلام الأسد دقيقاً على الإطلاق، والأرقام التي “أطلقها الأسد جزافاً كان مبالغاً فيها بشكل كبير جداً”.

لم يُعرَف ما الذي استند إليه الأسد حتّى بنى هذه التقديرات. فهل احتسب الأموال المودعة في المصارف اللبنانية الموجودة في سوريا ضمن هذا الرقم، أم استثناها؟ وكيف اعتبر أنّ أموالاً خاصة لمواطنين سوريين هي حكماً أموال تخصّ النظام السوري أو تدخل في الحسابات الاقتصادية السورية؟ هل يحمل أصحاب هذه الأموال أموالهم ويتوجّهون إلى الأسد هرولةً إذا دفعتها المصارف اللبنانية “كاش” في هذه اللحظة؟

يُشار إلى أنّ 7 مصارف لبنانية تعمل في سوريا، وهي: بنك عودة سوريا، بنك سوريا والمهجر، بنك بيبلوس سوريا، بنك بيمو السعودي الفرنسي، فرنسبنك سوريا، بنك الشرق (يملكه البنك اللبناني الفرنسي)، وبنك سوريا والخليج. ولكنّ هذه المصارف منفصلة عن تلك اللبنانية في محاسبتها ومجالس إدارتها، ويُفترض ألاّ يكون لها أيّ علاقة بالأزمة اللبنانية.

أمّا عن سبب إدلاء الأسد بهذه التصريحات أكثر من مرّة، وتكرارها الآن، فأشار المصدر إلى أنّ “كلام رئيس النظام السوري يدخل في خانة الابتزاز العلني. فبعدما مصّ دم اللبنانيين بعمليات التهريب، واكتشف أنّ دعم المصرف المركزي صار في أواخره، رفع هذه البطاقة بوجه مصرف لبنان والدولة اللبنانية اليوم من باب الضغط. فالنظام مجتهد في الابتزاز، لكنّ الأسد فاته أنّ هذه الودائع قد تبخّرت وتبخّرت أضعافها بسبب الفساد الذي كان النظام السوري يرعاه في مرحلة من المراحل، وخصوصاً تهريب السلع والمحروقات إلى بلاده… فهل يريد اليوم أن يحمّلنا نحن اللبنانيين مسؤولية ما اقترفه هو في بلادنا وبلاده؟”.

ورجّح المصدر أن “ينقلب كلام الأسد التنبيهيّ إلى مزيد من الضغوط على رأس حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي بات اليوم بين “سندان” محور الممانعة الذي يدعوه إلى الرضوخ لطلباته الماليّة، وبين “مطرقة” الدعاوى القضائية التي تقام ضده في لبنان وفي الدول الأوروبية، يُضاف إليها الضغوط الأميركية، التي بدأت أمس، في ما يبدو، مع وصول وفد من الخزينة الأميركية إلى بيروت، وذلك حسبما كشفت مصادر خاصة بـ”أساس”، من أجل جمع المزيد من المعلومات عن “جهات مصرفية وجمعيات ومؤسسات خاصة قد تكون على علاقة بحزب الله ومؤسساته”، مثل جمعية “القرض الحسن”، أو ربّما مثل بعض مؤسسات الصيرفة التي أدرجتها الخزينة الأميركية قبل سنوات على لوائح العقوبات، وتبيّن أنّ المصرف المركزي لم يشطبها عن لوائحه”.
الدولة اللبنانية أكبر الرابحين: تبخّر الدين العام

وتكشف المعلومات أيضاً أنّ لقاءات الوفد مع مصرف لبنان ستتناول عمليات التهريب إلى سوريا، التي يضعها الأميركيون في إطار خرق “قانون قيصر”، وخصوصاً تهريب المشتقّات النفطية التي يواصل “المركزي” تمويلها إلى اليوم “من سُكات” وبلا أيّ اعتراض.

عماد الشدياق – أساس ميديا