غداً… حين ينفجرون!

صحيح ان ” النسخة ” المدنية والسلمية للانهيار اللبناني الجاري منذ سنتين والآخذ بالتطور نحو انفجار شمولي تختلف عن النسخة الحربية القتالية التي عاش اللبنانيون فصولها إبان الحرب بين السبعينات والتسعينات من القرن الماضي ولكن ثمة في النسخة المحدثة الان ما يفوق سابقتها من الاخطار بآلاف الأضعاف. والمعنى المقصود بالأخطار هذه لا يقتصر على ان الانهيار يصيب الآن الشعب اللبناني بمجمله بتداعيات الإفلاس المالي وكل ما ينجم عنه من كوارث وانما أيضا تعمق خطر الانهيارات والكوارث المشتقة نحو فكفكة “تاريخية” اذا صح التعبير لكل معالم الاستقرار الاجتماعي والأسري والمؤسساتي بما سيقود حتما في الحصيلة الى انهيار وفوضى امنية غير مسبوقين على المستوى الاجتماعي.

عرف لبنان في تاريخه تجارب قتالية وفتن وحروب لا تحصى بالمعنى التقليدي للصراعات الداخلية كما للحروب الخارجية عليه وفيه، وهو امر كان يمكن ان يشكل له المخزون الابدي لمناعة ضد التفكك والانهيارات اقله حيال اخطار استعادة أي أنواع من الاضطرابات. ولكن الجاري في ابشع تجاربه هذه مع الانهيار الموشك على بلوغ ذرواته الدراماتيكية المخيفة يضع البلد امام واقع كأنه لم يعرف أي نموذج سابق ولا يمتلك أي أداة دفاعية في ما يؤهله لمواجهته.

لن نقف مجددا امام اضخم مذلة عرفها ويعرفها شعب في العالم للحصول يوميا على حاجاته البديهية والطبيعية والحيوية الأساسية من الاستشفاء الى الدواء الى الغذاء الى المحروقات، فتلك “المعزوفة” تجرح آذان من يوصفون بالمسؤولين عندنا وهم واقعيا يفترض ان يكونوا امام أقفاص المحاكم لو كنا في بلد سوي ودولة حقيقية بالمعايير الأقل من طبيعية للدول. ما يعنينا الان مع اليأس من تلك التجربة التي قامت بها الانتفاضة وانتهت الى خيبة عملاقة الا تتحقق ابشع كوابيسنا في أسوأ تفكك مجتمعي لان مسببات الانهيار وعوارضه وتداعياته المتسعة بالطول والعرض في كل الاتجاهات ستشعل في القريب العاجل تلك الفوضى التي لا تقاس بها حتى الفتنة الطائفية.

والحال ان من لا يعاين مباشرة مستويات الاحتقانات الاهلية والفردية والجماعية الحاصلة في يوميات اللبنانيين عند مخانق الانهيار، من بوابة البيت الى أبواب السوبرماركت والصيدليات والمستشفيات ومحطات المحروقات بلوغا حتى المؤسسات الخاصة والعامة في زمن الكارثة المالية والاقتصادية هذه يستحيل عليه ان يستدرك ذاك الانهيار الاتي المرعب الذي يدق أجراس الانذار بقوة مخيفة. ما يعيشه اللبنانيون في يوميات الإذلال والقهر والإفقار المتسارع في كل يوم لا يجعل الخبراء الحقيقيين يتخوفون من حريق امني وتفكك مجتمعي غير مسبوقين فحسب بل تراهم منذهلين امام تأخر اكبر حريق سيشهده لبنان متى اشتعلت الشرارة الأولى الكبيرة إيذانا بالانفجار.

التفككات اللًبنانية السابقة كانت من طبيعة “تقليدية” طائفية في الغالب بدليل انها طبعت لبنان بتركيبة انقسامية تطبع معها اللبنانيون تبعا للتوزيعات الجغرافية الانقسامية التي خلفتها الحرب. اما في النسخة التفكيكية “قيد التشكل” الان فاننا امام “المجهول المعلوم” الأشد خطرا في فتنة لا مقياس لها سوى انفجار الاحتقانات الفردية والجماعية من دون تمييز ولا لون ولا طائفة ولا مذهب ولا جهة ولا حزب ولا أي شيء يمكن ان يردع الغضب المتفجر حين يتفجر بكل احتقاناته.
ما يظهره اللبنانيون في غالبيهم حتى الساعة هو انهم لا ينازعون بقايا التماسك والصمود المضني والموجع امام اعتى الانهيارات فحسب وانما يردعون انفسهم عن انفسهم امام أسوأ انفجاراتهم اطلاقا !

نبيل بومنصف – النهار