صامدون في المعارك حتى آخر لبناني

موسم “الإفتاء الدستوري” مزدهر في عز الكساد الذي يضرب الجمهورية. وليس التلاعب والتراشق بتأويل الدستور، بدل الإحتكام الفعلي إليه في الموضوع الحكومي، سوى حيلة لتغطية البؤس السياسي الأفظع من البؤس المالي والإقتصادي. لا بل محاولة للهرب من الوقائع الصعبة الى تكبير الوقيعة بين الأطراف بكل ما في طابعها على الطريقة اللبنانية من خطورة. وهذا يعيد التذكير بقصة قديمة معبّرة في أميركا حين إضطرت النخبة البيضاء للسماح بأن يمارس الرجال السود التصويت شرط أن يجيدوا القراءة والكتابة. أول أسود دخل الى مركز الإقتراع كان عليه الخضوع لإمتحان القراءة. رئيس القلم أعطاه صحيفة صينية وقال: “ماذا يقول العنوان الرئيسي؟”. رد الرجل: “يقول إنني لا أستطيع التصويت”. وأقل ما يقوله لنا التراشق الدستوري هو: لا حكومة. وربما لا نظام.

ذلك أن القاعدة الأساسية في الأنظمة ثابتة: من يشارك في السلطة هو شريك في المسؤولية عن الأزمات. شريك المحاصصة والربح على حساب المال العام والخاص يجب أن يكون شريك الخسارة. لكن شركاء السلطة في لبنان، أقله منذ التسوية الرئاسية حتى الخلاف بين الشركاء، يلجأون الى قاعدة مختلفة: كل طرف يتبرأ من المسؤولية عن الأزمات ويتهم الآخرين بالمسؤولية. وهم جميعاً، برغم العجز والفشل ودفع البلد والناس الى أعمق هاوية، مصرون على البقاء في المواقع، وصامدون في العناد والمعارك حتى آخر لبناني. والأخطر هو أنهم “يطوّبون” المستقبل لهم وللورثة، ويتصارعون على رئاسة ولو في جمهورية غارقة أو حتى في ولاية تابعة لمحور إقليمي.

أما إفقار الشعب والسطو على مدخراته وتركه في أزمات وطنية وسياسية ومالية وإقتصادية وإجتماعية، فإن التخفيف منها للاستمرار في العيش من قلة الموت متروك للمجتمع الدولي. فرنسا تعمل على “آلية دولية” لتقديم المساعدات، وتبادر الى عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش وهو العمود الأخير للبنان. والمفارقة أننا نخدع أنفسنا بانتظار كل ما يحدث في المنطقة والعالم لكي نقوم بالحد الأدنى من واجباتنا: تأليف حكومة وإجراء إنتخابات. ننتظر صفقة أميركية – إيرانية وانتخابات رئاسية إيرانية وما يحدث في سوريا ويدور بين عواصم المنطقة وماذا تفعل موسكو، وإن كانت قمم الدول السبع والملف الأطلسي وجنيف بين الرئيسين الأميركي والروسي تتعامل مع ملف لبنان. والمفارقة الأكبر أننا نستمر في تعميق الخلافات وشن المعارك من أجل أهداف صغيرة في تجاهل لكل ما يحدث في المنطقة وللناس في الداخل.

قبل قرنين قال إمبرزاريو أميركي: “إذا أردت جمهوراً إبدأ قتالاً”. وهذا ما تمارسه التركيبة السياسية. ولكل طرف جمهور حاضر مع الأسف. وقلة هي التي تتذكر قول فرنسيس بيكون: “على من لا يجد علاجات جديدة أن يتوقع شروراً جديدة، لأن الزمن أعظم مبتكر”.

رفيق خوري-نداء الوطن