هذا هو الأسوأ الذي تكلم عنه جعجع…

د. مجد يوسف

عندما تحدّث رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عن إن الوضع كان يمكن أن يكون أسوأ لو لم ينتخب الرئيس ميشال عون، قال بوضوح انه يحلِّل ولا يجزم على طريقة “بوسطة عين الرمانة” التي لولا عبورها في ١٣ نيسان ١٩٧٥ في عين الرمانة هل كانت اندلعت الحرب الأهلية رسميا أم كان أمكن تأجيل الحرب وترحيلها إلى أجل غير مسمى؟

والأكيد إن الانهيار كان حتميا انتخب عون أم لم ينتخب بسبب إمساك “حزب الله” بمفاصل البلد، والدليل ان الانهيار بدأ منذ إسقاط الحزب حكومة الرئيس سعد الحريري في مطلع العام ٢٠١١، حيث إن ميزانية الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تتحمّل تغطية تكاليف نفقات الدولة في لبنان مع كل مزاريب هدرها، ودويلة الحزب، ودولة البعث في سوريا.

وفي مطلق الأحوال لا بدّ من سرد بعض الوقائع التي تؤكد على ما ذهب إليه رئيس “القوات”:

أولا، في العام ٢٠١٦ كنت حكومة حزب الله قائمة وفيها عدد كبير من الوزراء المسيحيين وتحديدا التيار الوطني الحر و٣ وزراء لحزب الكتائب وبطرس حرب ووزراء تيار المستقبل.

ثانيا، في تلك المرحلة كان الناس في الشوارع بسبب أزمة النفايات وملفات الفساد وأطلقت حملة “طلعت ريحتكن” و”بيروت مدينتي”.

ثالثا، كان مركز رئاسة الجمهورية شاغرا لأكثر من سنتين ومجلس النواب في حالتي شلل وتعطيل.

رابعا، كان الشارع المسيحي في حالة غليان وتتعالى الأصوات الداعية والمطالبة بالمصالحة بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر لتفادي الاحتدام في الشارع المسيحي والانزلاق نحو الأسوأ.

خامسا، راح سعد الحريري يسوِّق لنظرية إن الهدف من الفراغ الرئاسي الإطاحة باتفاق الطائف، وان المصلحة تستدعي انتخاب ميشال عون او سليمان فرنجية من أجل الحفاظ على الطائف، اي التضحية بالرئاسة حفاظا على الدستور.

سادسا، بدأ الحريري عملية التسويق لعون في الرياض على أنه بانتخابه رئيسا سيفك ارتباطه بحزب الله، وقد نجح جعجع عن طريق وزير الخارجية السعودي آنذاك سعود الفيصل بإسقاط هذه المحاولة.

سابعا، كان لبنان على وشك أن ينهار ماليا وامنيا بسبب التعطيل القائم.

ثامنا، لم يرد جعجع أن يكون ترشيحه هو سبب التعطيل وكان لحزب الله – الحريري الدور الأساسي في الاختيار، فلو لم يرشّح جعجع عون لكان انتخب الأخير من دون جميلة القوات التي لا يمكن أن تضع نفسها في عزلة سياسية لست سنوات، خصوصا إن حكومة تمام سلام التي رفضت المشاركة فيها تركت خارجها ولم يُسأل عنها..

تاسعا، بعد تسمية عون، سمى الحريري فرنجيه كمناورة لانه لم يمتلك حجة وازنة لتسويقه في السعودية كما سوق عون، وتعامل مع ترشيح فرنجية على قاعدة win-win فإما أن يسرِّع ترشيح الأخير انتخاب عون، وإما أن يؤدي الى انتخابه، وفي الحالتين يعود إلى السراي الحكومي.

عاشرا، المصالحة المسيحية بين الحزبين الأكبر القوات والتيار مهدت الطريق لفك الحصار عن المؤسسات الشرعية في ظل ظروف كان يفترض فيها الا تؤدي الى تحالف الحريري – باسيل – الثنائي الشيعي والذي ترك القوات والاشتراكي خارج المعادلة في حكومتي الحريري، وحصر التمثيل المسيحي بجيران باسيل، فيما كان الرهان أن يكون الحريري رئيسا للحكومة وحليفا لجعجع وجنبلاط ترسيخا لتوازن رعب حكومي، إلا انه حصل العكس مع تحالف الحريري وباسيل.

حادي عشر، كيف يمكن أن يقبل جعجع بان يتم اختيار رئيس الجمهورية من الرباعي المسلم: حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب الاشتراكي؟

ثاني عشر، على غرار ما يحتجز الرئيس عون الحكومة اليوم ولو كانت الكلفة “باي باي” بلد، فإنه كان سيبقي الرئاسة محتجزة حتى يسقط البلد فعلا، وما حصل بانتخابه انه تم تأخير السقوط مع الرهان على تغيير سلوكه بفعل عمره وتتويجه لمسيرته السياسية، ولكن السقوط كان حتميا في كل الأوقات..

ثالث عشر، لو سلمنا جدلا بان عون لم ينتخب رئيسا للجمهورية وانتخب فرنجية، وبما ان لعون تمثيلا وازنًا على الأرض، فكان سيستمر بتعطيل المؤسسات والدولة ورفض السلطة والمناداة بالإصلاح الوهمي، والتمسك بوزارات أساسية مثل الطاقة، ولم تكن هناك من ضمانات ان فرنجيه كان سيحكم براحة ومن دون مواجهات أو صفقات لتفادي المواجهات، وكان ذلك  سيؤدي الى الانهيار بجميع الأحوال الا أن باسيل كان سيكون قائد الثورة اليوم والمنقلب على النظام الفاشل. فهو يحاول أن يلعب هذا الدور حتى وهو مسؤول أساسي عن الانهيار، فكيف لو كانت رئاسة الجمهورية مع شخص آخر؟

هذا هو الأسوأ الذي تكلم عنه جعجع