ما “يضبط” لبنان في حرب غزة

حرب غزة فرضت نفسها على لبنان والمنطقة والعالم. أولاً لأن مشهد القصف والدمار والقتل تجاوز حتى ما تمارسه إسرائيل عادة من جرائم حرب.

وثانياً لأهمية العوامل التي أعادت كشفها. من القدرة على إيذاء المحتل وتهديد عقيدته العسكرية وكشف الهشاشة في جبهته الداخلية الى ظهور جيل فلسطيني جديد رافض للستاتيكو الكارثي. ومن عودة الروح الى الإرتباط الوطني بين الفلسطينيين داخل “الخط الأخضر” وخارجه الى إستعادة الموقع الذي كان لقضية فلسطين بعدما صارت وراء قضايا أخرى ساخنة وضاغطة. وهي حرب خيار، وإن كانت مقاومة الإحتلال قدراً و”فرض عين” و”فرض كفاية” معاً. حركة حماس إختارت الرد على تصعيد إسرائيل وتماديها في “تهويد القدس” بالقصف الصاروخي لعمقها بعد المستوطنات في غلاف غزة، وهي تعرف أن العدو سيفتح باب الجحيم عليها. ولم تكن حساباتها السياسية خارج اللعبة الجيوسياسية في المنطقة.

ولا خوف من دفع لبنان الى الإنخراط في الحرب، وإن كانت الجبهة واحدة من غزة الى لبنان وسوريا والعراق واليمن في الحسابات الإستراتيجية لمحور “الممانعة والمقاومة” بقيادة إيران. فالظاهر في الحسابات المفتوحة على ما هو أبعد أمران: أولهما تهميش السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح وإعلان حماس نفسها حامية القدس وحاملة القضية الفلسطينية وقائدة لمقاومة الإحتلال حتى التحرير. وثانيهما تكريس إيران كمركز للمقاومة وتجاوز الخوف العربي من النفوذ والتدخلات الإيرانية الى الحديث عن التفاهم والمشاركة في مقاومة إسرائيل وممانعة النفوذ الغربي.

ذلك أن حرب غزة تكفي لتحقيق بعض الأهداف، بينها تحديد مستوى محدد للضغط على أميركا في مفاوضات الإتفاق النووي ورفع العقوبات. أما الأهداف الكبيرة، فإنها بعيدة وحساباتها معقدة. أقصى ما تطلبه حماس في المرحلة الحالية هو هدنة لا تلزمها بتغيير موقفها. فالتسوية السياسية لها ثمن لا تريد حماس دفعه، هو التخلي عن شعار التحرير الكامل لفلسطين التاريخية التي هي “وقف إسلامي” في أدبيات الإسلام السياسي. والحرب الشاملة لم تعد خياراً عند العرب المتعاطفين مع قضية فلسطين، ولا هي على “أجندة” إيران العملية، وإن كانت على رأس الخطاب لدى طهران والميليشيات التي تمولها وتسلحها.

وما يحول دون إنزلاق لبنان الى حرب غزة ليس القرار 1701 ولا اليونيفيل، ولا حال الإنهيار المالي والإقتصادي، ولا سياسة السلطة. فكل هذه العوامل تتخطاها اللعبة لو كان في مصلحة إيران و”حزب الله” حالياً فتح الجبهات. والسلطة على الهامش حيث الدور لـ”حزب الله”، كما هي حال السلطة الفلسطينية حيث الدور لحماس.

يقول الفيلسوف صامويل كيمبربال: “هناك أشياء نفعلها تعيد تذكيرنا بأن العالم أكبر من نفسه”. أما نحن، فإننا نفعل ما يعيد تذكير العالم بأن لبنان أصغر من نفسه.

 

رفيق خوري-نداء الوطن