إذا كانت أم القاتل تنسى بسهولة… فأم القتيل لا تنسى

بقلم نمر بو دياب
ردا على الرسالة التي وجهها الدكتور كمال ديب إلى الدكتور سمير جعجع، أسجِّل الملاحظات الآتية:

اولاً) ما هو المقياس العلمي الذي اعتمده، وانت صاحب مؤلفات علمية عديدة كان لي فرصة قراءتها باسهاب، لمعرفة توجهات اهالي كسروان ازاء ما حصل في نهر الكلب؟
علماً ان القياس العلمي الوحيد الذي يمكن اخذه لمعرفة التوجهات السياسية لأهل كسروان هو في عدد النواب المؤيدين لخط 8 آذار، وهما نائبان من اصل 5 حالياً (فريد الخازن، وروجيه عازار) ورغم ذلك لم يصدر عنهما اي تصريح يصب في خانة ما تقوله اعلاه! ولو ان ما تقوله كان صحيحاً، ويعبّر عن توجهات الرأي العام الكسرواني لكان بعض النواب سارعوا الى الادانة ومحاولة استقطاب اصوات كسروانية على هذا الأساس.

ثانياً) لقد عانى اهالي كسروان، شأنهم شأن بقية اللبنانيين من القصف والتنكيل والاغتيالات والتهديد والسجن والاعتقال والاخفاء على مدى 30 سنة من هذا النظام ذاته الذي تُعيب على بعض الشبّان حملهم بعض العصي بوجهه تعبيراً عن غضبهم من اعلامٍ وصور وشعاراتٍ رُفعت استفزازاً في مناطقهم. فإذا كانت ام القاتل تنسى بسهولة فأم القتيل لا تنسى، وخصوصاً إذا استمر هذا القاتل يحوم حول منزل القتيل ويستفز اهله واقاربه من دون اي وازعٍ اخلاقي. فأقل الإيمان في هذه الحالة ان تُرفع بوجهه العصي، هذا طبعاً إن لم تقم القوى الأمنية بواجبها في منع حصول هذه الارتكابات.

ثالثا) رسالتك هذه فيها الكثير من السم الممزوج بالدسم، فإذا كانت القوات اللبنانية قد اتخذت قراراً رسمياً بالتصدي لهؤلاء المستفزين عند نهر الكلب، فهذا قرار كبير يتخذه قائد القوات سمير جعجع بنفسه وبكل شجاعة، ومن دون الحاجة للتلطّي خلف موضوع المستشارين ام غير المستشارين، غير ان المسألة هي في مكان آخر مختلف تماماً، وتتعلق بردة فعل عفوية قام بها شبان قواتيون وكتائبيون واحرار ومستقلون وثوار إزاء استفزازاتٍ تحصل في منطقتهم من دون اي قرارٍ حزبي مباشر أملته استشارة مستشار من هنا ام وشوشة معاون من هناك.

رابعاً) ان معظم الأشخاص الذين تقترحهم ليكونوا مستشارين للدكتور جعجع هم اصلاً من ضمن الدائرة القريبة منه، وخصوصاً عدوان ورياشي، اما بالنسبة للأستاذ بقرادوني فهو كان بدوره مستشاراً ونائباً للدكتور جعجع قبلاً، ومع ذلك لم يحل وجوده في السابق دون حدوث ما حدث لاحقاً. فالقصة ليست قصة مستشارين بقدر ما هي في طبيعة اخصام القوات اللبنانية ونزعتهم الشمولية التي تريد عمالةً كاملة ام إخضاعاً كاملاً. رحم الله البطريرك صفير الذي قال: ليس لسوريا في لبنان اصدقاء بل مجرد عملاء.

خامساً) اما بالنسبة للتحالفات الداخلية التي تتحدث عنها، فيبدو انك نسيت ان ثورة 17 تشرين نزعت شرعيةً اساسية عن معظم القوى التي حكمت لبنان منذ العام 1990، وبالتالي فإن التحالف الذي قررت القوات الاكتفاء به في هذه المرحلة هو التحالف مع الشعب ورفع شعاراته المحقة في الكرامة والحرية والاصلاح ومكافحة الفساد والسيادة والعيش الكريم. ثم ان قانون الانتخابات النسبي يجعل من كل هذه التحالفات السياسية التي تقترحها مجرد لزوم ما لا يلزم، لأن كل حزب سيخوض الانتخابات بمفرده بالنهاية، علماً ان الدستور والقوانين المرعية الاجراء هي التي تكفل حق التعبير والعيش المشترك والميثاقية وحرية الانسان في لبنان، وليس اي تحالف سياسي آني اثبتت الايام انها مجرد تحالفات مصلحية سرعان ما تسقط عند اول استحقاق وطني او سياسي او انتخابي.

سادساً) اما لجهة حديثك عن ان الشعوب العربية غاضبة مما جرى في نهر الكلب، فأنت مخطىء تماماً، وهذه الفرضية ساقطة تماماً بدليل عشرات الآف المواقف على وسائل التواصل الاجتماعي، لمواطنين سوريين بالذات ممّن هللّوا لردة الفعل على نهر الكلب وابدوا اعتزازهم بموقف اللبنانيين الشرفاء ازاء عنجهية واستفزاز نظام الأسد. علماً ان موقف الشعوب العربية معروف جيداً تجاه ارتكابات وفظائع نظام الأسد في سوريا مع ما رافقها من براميل كيماوي وجرائم حرب افضت الى عزلةٍ شبه تامة وعقوبات دولية عليه. وبالتالي فإن وجدان وتوجهات هذه الشعوب العربية تصب في خانة كل فعل يؤدي الى نهاية هذا النظام، بصرف النظر عن موقفك الذي يفتقر للحد الأدنى من المنهجية السياسية والتاريخية وحتى “الطائفية” في التفكير. فإذا كانت الشعوب العربية متضامنة مع ازلام بشار الأسد في نهر الكلب فذلك يعني ان كل البنيان التاريخي والثقافي والقومي والطائفي للشعوب العربية خاطىء، ومنطقك اللامنطقي هو الصح!

سابعاً) اما لجهة السينودوس والانفتاح على الجوار، فكلامك حق يراد به باطل، فعن اي جوار تتكلم؟

هل هو الجوار الفارسي والميليشيات الافغانية؟

ام هو الجوار الأقلوي الذي تم طرده من جامعة الدول العربية؟

تطلب منا الانفتاح على “جوار” هو اصلاً في عزلة من جواره العربي والدولي والاسلامي!! وهل الانفتاح على الجوار يكون من خلال تشريع الحدود مع نظامٍ معاقب عربياً واسلاميا ودوليا”، ام من خلال الالتزام بقرارات الشرعيتين العربية والدولية؟

عن اي انفتاح تتحدث يا صديقي، هل عن انفتاح ميشال سماحة ومسجدي السلام والتقوى؟

ام عن انفتاح اغتيال رفيق الحريري وعشرات القيادات غيره؟

ثم ما دخل ما حصل في نهر الكلب بموضوع السينودوس والانفتاح، وهل السينودوس يقبل باستباحة نظام الأسد لأمن وسيادة ولقمة عيش اللبنانيين بدون ان يقوم اللبنانييون بأي ردة فعل تجاه ذلك؟

ولمعلوماتك يا استاذ كمال، السينودوس من اجل لبنان اُقيم خصيصاً لتحرير لبنان من احتلال نظام الأسد، وهو كان دعوة لانفتاح المسيحيين على اخوتهم المسلمين بعد كل الفتن والدسائس التي دسّها نظام الأسد لتفرقتهم عملاً بمقولة فرق تسد، وتالياً ليس انفتاحاً على الأنظمة الديكتاتورية والقمعية، وهذا ما حصل بالفعل في 14 آذار 2005 وما بعده، بحيث ان الحديث عن الانفتاح المسيحي اللبناني على المسلمين لم يعد هاجساً بحد ذاته.

ثامناً) وبالعودة الى نصائحك المشكورة بخصوص “المحيطين” بالدكتور جعجع، فندعوك بالمقابل الى تركيب منطقك الجدلي بشكل صحيح وسليم حتى يتكامل مع الحقائق والوقائع الموجودة، وذلك قبل ان تطلب من سواك اسداء النصائح الجيدة. وبالنهاية، الحكيم هو قائد حكيم يعرف كيف يتخذ قراراته، بصرف النظر عن طبيعة الاستشارات التي تُسدى اليه. فالقائد غير الحكيم لا يمكن ان يتخذ القرار الحكيم لو مهما اُشير عليه بطريقة صحيحة، والقائد الحكيم يعرف اتخاذ القرارات الصحيحة، وأحياناً الشجاعة والجريئة، لو مهما تعارضت اراء مستشاريه.

تاسعاً) وفي الختام، إذا كنت تعتقد يا دكتور كمال، ان ما جرى في نهر الكلب لجهة رفع معنويات المسيحيين واللبنانيين، والانتفاضة لكرامتهم بوجه محاولة الارضاح الممنهجة من قبل نظام الأسد واذياله في لبنان، يتناقض مع ما ذهبت اليه في كتابك “سقوط لبنان المسيحي”، محاولاً بذلك تحوير الوقائع وتجويف تلك الانتفاضة الشريفة ومحاولة حرفها عن حقيقتها، بما يخدم الخلاصات الانهزامية الاستسلامية حول المسيحيين، التي توصلت اليها في هذا الكتاب، فهذه مشكلتك وليس مشكلة القوات اللبنانية. ولعلملك يا دكتور كمال، قبل ان اقرأ رسالتك هذه كانت تلك الاجواء الانهزامية تجد لها بعض الصدى في مكانٍ ما، اما بعدما تعرفّنا على منهجيتك العقيمة في التفكير، فيمكننا الاطمئنان كلياً الى ان إسقاط “لبنان اللبناني”، الذي هو الترجمة العملانية والسياسية والسيادية “للبنان المسيحي”، هو مجرد اضغاث احلام لكل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية واعوانها الصغار ممّن يبثّون سموم الانهزامية والاستسلام والرضوخ في مجتمعنا المقاوم، الحر… والسلام.

Lockdown 1230