زيارة تاريخيّة ورسائل مفصليَّة


“البابا فرنسيس يقود ثورة في الديبلوماسيَّة الدّينيَّة فهو في تنصيبهِ يُثبِّتُ توازُن القوَّة في الأُخُوَّة الإنسانيَّة، وزيارته إلى العراق واللِّقاء الذي سيَجْمَعُه بالسيِّد السيستاني تحديداً صرخة بوَجه حلف الأقليَّات واستِخدامِ الله في دوَّامةِ العُنف”، هكذا يستهِلُّ زياد الصّائغ الخبير في السّياسات العامّة مُقاربته للزيارة التَّاريخيَّة للبابا فرنسيس إلى العراق، ويُضيف حول سؤالٍ لـ “المركزيّة” عن إمكان التّمييز بين الطَّبع الرَّعويّ للزيارة وذاك الجيو-سياسي مشدّداً على ان”هذا الفَصْلُ بين الرَّعويّ والجيو-سياسي في دُوَلٍ عانَت الحروب والاحتلالات والهيمنة وتسيُّد الفساد واغتيال الإنسان غير موفّق، بل مُريب وتقُودُه غُرفُ سوداء مشبوهة”.

ويضيف: “إنَّ الفاتيكان يتحرَّكُ بديبلوماسيّة أخلاقيَّة وتعنيه كرامة الإنسان، وبُنى السَّلام، وبالتَّالي الطَّابع الدَّوليّ للزيارة مفادُه التأكيد على موجب حماية إنسانِ العِراق ومكوِّناتِه الحضاريَّة في دَوْلة مدنيّة تحيا في صميمها المواطنة الحاضِنة للتنوّع، وبالتَّالي لقاء البابا فرنسيس مع هيئات المجتمع المدنيّ يُرسّخُ عميقاً شرعَتَها التَّغييريّة وفاعليَّتها في قلب المجتمع العراقي، ومتميّزٌ ما أثبتُه العِراقُ بمؤسَّساتِه الدُّستوريَّة تشبُّثاً بالدَّولة السيّدة الحُرَّة بالعيش الواحِد في تعاطيه مع هذه اللَّفتة البابويَّة”.

“أمّا عن الطَّابع الجيو-سياسي فيقرأ الصَّائغ في مشهديَّة لقاء البابا فرنسيس والسيّد السيستاني “إستكمالاً بنيويَّاُ للتَّوقيع الذي جمع البابا وشيخ الأزهر على وثيقة الأُخُوَّة الإنسانيَّة، وإسقاطاُ بالتَّالي لاستنفار عصبيَّات مذهبيَّة مغلَّفة بأيديولوجيَّاتٍ تفتيتيَّة للهويَّات القوميَّة، واستِخداماً للعُنْفِ في مساراتٍ تقديسِه فيما هو من كلِّ قُدسيَّة براء، ثُمَّ إنَّ الدَّعوة إلى التشبُّث بالأرض يُنْهي فلسفة استِدراج الحمايات بأحلاف موضوعيَّة أو مباشرة لِصالِح بناء مجتمعاتٍ تتألَّق التعدُّديَّة فيها من باب الحريَّة والديمقراطيَّة بعيداً عن التوتاليتاريَّات الثيوقراطيَّة”.

ويختُم الصَّائغ في إجابةٍ عن التأثير العملاني للزيارة مؤكِّداً على أنّ “ما نشهده أكثر من تاريخيّ بل مفصليّ والمُراكمة الإيجابيَّة فيه دونها تضحيات، وأعداءُ هذه المُراكمة كثيرون، وللُبنان هُنا مع العِراق دورٌ أساس في إنفاذِ الدَّولة المدنيَّة والمواطنة الحاضنة للتنوّع، وشعبُ البلدين شريكٌ في المأساة، لكنَّهما قادران على تقديم نموذج حضاريّ متقدّم في الأُخُوَّة الإنسانيَّة”.

الزعبي: من جهته، يرى أستاذ اللاهوت السياسي في الجامعة اليسوعية في بيروت أحمد الزعبي أن “هذه الزيارة التاريخية تحمل رسائل العيش المشترك والمواطنة والسلام، وقبلها جميعاً التضامن مع العراق المستَلَب، بما هي استكمال للصفحة المشرقة المتمثّلة بوثيقة الأخوّة الإنسانية الموقّعة بين البابا وشيخ الأزهر، وتستكمل في العراق مع المرجعية الشيعية العربية متمثلة بالسيد السيستاني، وكل ذلك يرتّب واجبات في صناعة المستقبل المشترك”.

ويوضح في حديث لـ “المركزيّة” أن “التضامن مع الشعب العراقي من قبل هذه المرجعية الدينيّة والأخلاقية والإنسانية العالمية ضروري جداً، فما أصاب المسيحيين والإزيديين من قبل تنظيم داعش، وما أصاب السنّة على يد الميليشيات الطائفية يستحق وقفة تضامن، خصوصاً وأن السلطات السياسيّة خلال الفترة الماضية عملت على تعميق الجرح الاجتماعي، وتعميق الانقسام الوطني بدلاً من معالجته، هكذا تكون زيارة الحبر الأعظم رسالة شديدة الدلالة بضرورة التعالي على الجراح وإعادة الاعتبار لمعنى الوحدة الوطنية والالتزام الوطني بوجه التدخلات الإقليمية، وضرورة وقف نزيف الهجرة من قبل مسيحيي العراق وقد تناقصت أعدادهم خلال العقدين الأخيرين بشكل خطير جداً”.

ويضيف الزعبي: “ما يستحقه العراق، يستحقه أيضاً لبنان المعنيّ بالزيارة ونتائجها ورسائلها، وخصوصاً الدفع باتجاه التخلّي عن أوهام حلف الأقليات، والإيمان بالشراكة الواعية بين المكونات الوطنيّة بصناعة المستقبل والوحدة الوطنية والمواطنة الكاملة والدولة المحرّرة، ومواجهة تحديات المستقبل بوعي وشراكة وديموقراطية”، معتبراً أن “لبنان الحاضر في قلب واهتمام الفاتيكان يحتاج لفتة من هذا النوع، خصوصاً مع انحلال مفهوم الدولة، وتراجع الدور الريادي والفاعل على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي بسبب التأزّم السياسي وحالة التغيّيب القسري للدولة، وهذا ما أثّر على دور كل المكونات لمصلحة أحلاف ومحاور خارجيّة”.

وختم: “إن لبنان المنهك ينتظر زيارة من قداسة البابا فرنسيس الذي لطالما ذكرَ هذا البلد في كلماته ومواقفه وإطلالاته بما يعكس الاهتمام والحرص والقلق على وطن يعتبره قلب المسيحية في الشرق، وبانتظار ذلك، على كل المكونات الدينيّة في العالم العربي ملاقاة الاهتمام الاستثنائي الذي يبديه البابا فرنسيس للارتقاء بالعلاقة مع المسلمين تحديداً، وهو ما تبدّى بزياراته إلى كل من مصر، المغرب، الإمارات والعراق، ومشاركته الفعليّة بخطوات جديّة نحو انتاج مواطنة فاعلة، وشراكة بنّاءة، ومصير واحد”.

شاهد أيضاً

الجراد يقتحم البقاع

وسط الازمات القاتلة التي يعيشها اللبنانيون، حلّت مصيبة جديدة عليهم، تمثّلت بأسراب جراد وصلت الى …