حيادُ لبنانَ وحليبُ أطفالِه

وُلِدت فكرة الحياد في لبنان قبل ولادة لبنان الكبير نفسه. ففي تمُّوز من العام 1920، طالب مجلس إدارة متصرِّفيَّة جبل لبنان بحياد لبنان في علاقاته الخارجيَّة، بحيث “لا يُحارِب ولا يُحارَب ويكون بمعزلٍ عن كلِّ تدخُّلٍ حربي”. مؤخَّراً، أعاد البطريرك مار بشارة بطرس الراعي طرح موضوع الحياد كبندٍ أساسيٍّ في مشروع إنقاذ لبنان من أزمته التي لم تعد تعرف حدوداً، بعدما اصطدم خيار الثورة القائم على تحييد سلاح “حزب الله” من الرؤية التغييريَّة، بواقع معادلة المافيا والميليشيا. كذلك، لم يعد أحدٌ من اللبنانيين يصدِّق أنَّ علاجاً موضعيّاً على شاكلة حكومة “تكنوقراط من مستقلِّين”، سينقذ لبنان ممَّا هو عليه. في الوقت عينه، كان لبنان على موعدٍ “تاريخي” مع وصول شحنة مساعداتٍ (مشكورة) من مصر – دولةٌ فقيرة نسبياً يبلغ معدَّل دخل الفرد فيها 250 دولاراً بالشهر – هي عبارةٌ عن حليب أطفالٍ لعائلات لبنان المنكوبة. فكان خيار البطريرك صائباً بالعودة إلى البديهيَّات.

يصعب على أيِّ مواطنٍ لبنانيٍّ عادي معارضة فكرة حياد لبنان. فهي ليست فقط جزءاً أساسيّاً من الميثاق الوطني – على قاعدة لا شرق ولا غرب – ولا هي تقتصر على تجارب لبنان التاريخيَّة الناجحة، كبنائه لمجده الاقتصادي في الستِّينات والسبعينات، وهو يتفرَّج على الشرق الأوسط يحترق “بطمأنينةٍ وهدوءٍ ورفاهية”، وهنا نستعير تعبير أندريه شوفالاز، الرئيس السابق للاتِّحاد السويسري، واصفاً به سويسرا وأوروبا في الحرب العالميَّة الثانيَّة. فالأهمُّ من هذا كلِّه أنَّ لبنان، بطبيعة نظامه التشاركي، محايد، إذ تستوجبُ الخيارات الكبرى عدم اعتراض مكوِّنٍ طائفي أساسي عليها. لذلك، فإنَّ الحياد هو القاعدة، والشواذ عنها يحتاج إلى توافقٍ، وليس العكس.

برز نوعان من الاعتراضات على مطالبة البطريرك بالحياد. يقول الأوَّل بأنَّ في ظلِّ عدوانيَّة إسرائيل وداعش، ليس للحياد مكانٌ في لبنان. هذا الاعتراض هو عبارةٌ عن تعبئةٍ عقائديَّةٍ بدائيَّةٍ، وليس عن نقاشٍ علمي. فالمعاهدات الدوليَّة التي ترعى حياد الدول (لاهاي 1899، وباريس 1856، وواشنطن 1871) تحفظ حقَّ الدول في الدفاع عن نفسها. ولبنان أصلاً، ليس مرتبطاً بمعاهدات دفاعٍ مشترك مع دولٍ أخرى تعفيه من حياده. كما أنَّه يستحيل الشرح لأيِّ لبناني، عن علاقة إسرائيل وداعش بالقتال مع حوثيي اليمن، إلَّا على قاعدة الارتباط الطائفي – العقائدي بالولي الفقيه في إيران. الاعتراض الثاني “أذكى”، إذ يقول بأنَّ علينا التركيز على “القضايا المعيشيَّة” لا “القضايا السياسيَّة الكبرى”، خالقاً بذلك ثنائيَّة أضدادٍ مزيَّفة. يشبه هذا الاعتراض ما قيل في بداية الثورة عن ضرورة التركيز على الفساد وتحييد السلاح، وإذ بالسلاح يتولَّى مهمَّة الدفاع عن الفساد وقمع من حيَّدوه.

كما هي العلاقة العضويَّة المباشرة والمثبتة بين المافيا والميليشيا، كذلك هو الرابط العلمي والمدلَّل بالأرقام بين حياد لبنان وحليب أطفاله. في هذا السياق، يسعى البعض إلى تصوير مسألة الحياد على أنَّها ترفٌ أكاديمي أو نزوةٌ فكريَّة لا علاقة لها بالواقع اليومي للمواطن اللبناني، الاقتصادي منه تحديداً. ويقولون لك: فلنتكلَّم عن رغيف الخبز، ما بالنا والحياد الإيجابي! لكنَّ الوقائع عكس ذلك تماماً. فسعر صرف الليرة والحدّ الأدنى للأجور وأقساط المدارس وتسعيرة رغيف الخبز كلُّها عناوين تخضع مباشرةً للسياسة الخارجيَّة للدول، الكبيرة منها والصغيرة. حتَّى أنَّ حملة البريكست لخروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي خيضت على أسسٍ اقتصاديَّةٍ مبنيَّة على أرقام، والجميع يذكر الباص الشهير لبوريس جونسون، الذي ألصق عليه لافتةً تعِدُ بتوفير 350 مليون دولار أسبوعيّاً للقطاع الصحي في حال الخروج.

خاض لبنان من العام 2011 رحلة الخروج الممنهج عن سياسة الحياد ذهاباً وإياباً. فلم يستمر فقط كمستوردٍ لمشاكل الإقليم، وهي “الميزة” التاريخيَّة التي عانى منها منذ اتِّفاق القاهرة عام 1969، والتي كلَّفت بين عامي 2005 و2011 مئات مليارات الدولارات، من حرب تمُّوز إلى شلِّ البلد والمؤسَّسات، بل تحوَّل إلى مصدِّرٍ للحروب والأزمات والإرهاب، من تدريب أنصار الله في اليمن إلى العمليَّات الأمنيَّة في العراق، وصولاً إلى القتال العسكري في سوريا، كلُّه تحت مسمَّى تحوُّل “حزب الله” إلى “قوَّةٍ إقليميَّة”. أضِف إلى ذلك في السنوات التالية، العنصر الأساسي الذي أوصلنا إلى الانهيار: انضمام الدولة اللبنانيَّة، برئاساتها الثلاث، ومجلسَي النوَّاب والوزراء، إلى مشروع الخروج عن الحياد على قاعدة تحالف المافيا والميليشيا. اختفى حينها ما كان يُسمَّى، على لسان أمين عام “حزب الله” نفسه، بـِ”الغموض البنَّاء” بين الدولة و”المقاومة”، فأصبح لبنان الرسمي يقاتل عمليّاً (أقلَّه من وجهة نظر المتلقِّي) في زواريب صنعاء، ويطلق الصواريخ الدقيقة على مطارات المملكة العربيَّة السعوديَّة. عُزِل لبنان عن شريانه الاقتصادي الطبيعي، وتدرَّجنا سريعاً بهذا المسار الذي يؤدِّي بطبيعة الحال، إلى طائراتٍ مصريَّةٍ محمَّلةٍ بحليب الأطفال.

قامت فكرة الحياد أساساً على تجنُّب الصراعات العقائديَّة الطائفيَّة داخل لبنان، كانعكاسٍ لصراعات الإقليم، والصراع بين الناصريَّة وحلف بغداد في الخمسينات هو أحد الأمثلة على هذا الصعيد. واقتصر الشقّ الاقتصادي لهذه الرؤية على الآثار الكارثيَّة التي تنتج عن أيِّ صراعٍ أهلي. أمَّا الوضع اليوم فهو أكثر تعقيداً وإيلاماً. تبني الدول المحترمة خياراتها في السياسة الخارجيَّة على مصالح اقتصاديَّةٍ أوَّلاً، وليس عقائديَّة. بيد أنَّ لبنان هو استراتيجيّاً اليوم جزءٌ لا يتجزَّأ ممَّا يُسمَّى بِـ”محور الممانعة” المؤلَّف من سوريا، إيران والعراق الذي يصارع للخروج منه. لا يتجاوز مجموع دخل الفرد في الدول الثلاث مجتمعةً الألف دولارٍ أميركي شهريّاً، مع أنَّ اثنَتَين من هذه الدول مصدِّرتان للنفط. أمَّا مدخول الفرد في مملكة البحرين، الدولة الخليجيَّة “الفقيرة” غير المصدِّرة للنفط، فهو مجموع مدخول الفرد في دول الممانعة الثلاث ضرب اثنين، أي ألفَي دولار.

في العام 2021، بينما وصلت الليرة اللبنانيَّة إلى عشرة آلاف مقابل الدولار، خسر الريال الإيراني نصف قيمته (بلغ الدولار 300،000 ريال)، وانتقلت الليرة السوريَّة (ومعها صور بشَّار الأسد) من 1600 ليرة مقابل الدولار إلى 4000 مقابل الدولار (في حين كان الدولار يساوي 500 ليرة في العام 2017). لماذا تنهار العملتان السوريَّة والإيرانيَّة ولا تنهار اللبنانيَّة، وكلُّنا في نفس المحور؟ والأسوأ من ذلك بعد أن جرت العادة تاريخيّاً على أن يكون للدول، الصغيرة منها التي تنتمي إلى محاور عقائديَّة تحديداً، راعٍ مالي واقتصادي رسمي يعوِّضها عن الخسائر المترتِّبة عن انتمائها إلى هذا المحور: كوبا مثلاً، حين تخلَّت عن ارتباطها بالولايات المتَّحدة، حصلت في العام 1964على مساعداتٍ تبلغ قيمتها الفعليَّة اليوم 5 مليارات دولار (نصفها قروض ميسَّرة). أمَّا العجيبة اللبنانيَّة، فانتماء رسمي إلى “محور الممانعة” المفلِّس، و”شحادة” مساعدات وقروض من الإمبرياليَّة وتوابعها!

في المقابل، يعتمد الاقتصاد اللبناني بشكلٍ شبه تام على دول الخليج 76% من الاستثمارات الخارجيَّة في لبنان، 40% من مدخول السياحة، 60% من تحويلات اللبنانيين في الخارج، و30% من صادرات لبنان مرتبطة بدول الخليج، تحديداً بالمملكة العربيَّة السعوديَّة والإمارات العربيَّة المتَّحدة. كذلك، كانت الودائع في البنك المركزي التي بلغت 2،5 مليار دولار في أزمتي العامَين 2006 و 2008، سعوديَّة وكويتيَّة. وفي تقريرٍ لصندوق النقد الدولي في العام 2008، يقول الكاتب إنَّ الاقتصاد اللبناني صامد بفعل “ضمانةٍ سعوديَّةٍ معنويَّة”. أمَّا أموال اللبنانيين في المصارف، فقد صُرِف 70% منها في عمليَّة جرميَّة، على التعويض عن النقص في دخول الدولار إلى لبنان من هذه الدول. لذا، فإنَّ مقاطعة هذه الدول المُعتدى عليها للبنان هو فعل انتحارٍ اقتصادي، يعترف به حتَّى المؤيِّدون لفعل الاعتداء هذا. وتدلُّ جميع التجارب التاريخيَّة على أنَّ لا دولة معزولة أو متحالفة مع محورٍ “طفران” يمكنها ألَّا تجوع.

مصلحة لبنان الاقتصاديَّة الأكيدة هي في الانضواء الكامل في المحور الخليجي-الغربي. أمَّا طرح الحياد فهو تنازلٌ عن المصلحة الاقتصاديَّة الصرفة لصالح “التعايش” بين الطوائف اللبنانيَّة. حاول أمين عام “حزب الله”، “الجندي الصغير في جيش “ولاية الفقيه”، التنظير لما سُميَّ “التوجُّه شرقاً”، فلم يلقَ جواباً من أيٍّ من الدول “الشرقيَّة”، وانتهى به الأمر بتحفيز اللبنانيين على زراعة البقدونس على الشرفات! طبعاً النصيحة الرؤيويَّة لا تشمل موظَّفي “الحزب” وعسكره الذين يقبضون بالدولار الأميركي. أمَّا بقيّة اللبنانيين، إن شكوا لكم سوء أحوالهم المعيشيَّة، بسِّطوا لهم ذاك المفهوم “الأكاديمي النخبوي” على قاعدة أنَّ لا حليب لأطفال لبنان من دون حياده.

صالح المشنوق-نداء الوطن

شاهد أيضاً

جبران قديساً

بُعيد منتصف ليل أمس، شهد لبنان تقاطر حجاج مسيحيين من كل أصقاع الأرض، ما تسبّب …