الراعي: هذا ما سيقوم به البابا فرنسيس في العراق


أعرب بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حديثٍ خاصّ لـ “شبكة الاعلام العراقي” مع الإعلامية ماريان زوين، مواكبةً لزيارة قداسة البابا فرنسيس العراق، أنّ “هذه الزيارة العظيمة والتاريخيّة تدلّ على محبّة قداسة البابا للعراق والشعب العراقي، كما تدلّ على أنه حَمَلَ في قلبِه الجرح الذي تألّم العراق ومازال يتألّم منه، فكان التصميم منذ سنوات على زيارة هذه الأرض المباركة لكي يُحيِّي الشعب العراقي ويُعبّر عن حُبِّه له وقربه منه وصلاته من أجله. واليوم، جميع مراحل ومحطّات الزيارة، هي أكبر دليل على إعادة إعطاء القيمة للعراق، الأرض التاريخيّة التي لها دورها الديني والحضاري والاجتماعي”.

وأضاف: “كان مؤسفًا لدى قداسة البابا أن يعاني العراق كلّ ما عاناه، لذلك، أصرّ على إتمام هذه الجولة رغم كل الصّعوبات: “فهنيئًا للعراق والشعب العراقي هذه الزيارة”. وردًّا على سؤال، حول الرسائل المحدّدة من الزّيارة للعراق وللعالم العربي ربّما، أجاب غبطة البطريرك: “أعتقد أن قداسة البابا لديهِ طريقة يضمّد من خلالها الجراح، فهو يريد أن يؤكّد للشعب العراقي، أنّه بالصلاة معهم وبحمل قضيّتهم للعالم أجمع، سيرسلون معًا رسائل السلام والتآخي، خاصّة من خلال اللّقاء في النجف الذي يؤكّد على الأخوّة الانسانية”. وأضاف، “قداسة البابا يريد أن تكون العلاقة مع المسلمين علاقة كاملة، فمنذ فترة، أكملها مع الطّائفة السُنّية مع سماحة الشيخ الأزهر في أبو ظبي، حيث تمّ توقيع “وثيقة الأخوّة الانسانية”، والآن مع المرجعيّة الشيعيّة في النَجف الأشرف، آية الله العلّامة السيّد علي السيستاني، يريد أيضًا توقيع هذه الوثيقة المُشتركة، وهذا عنصر أساسي، لأن جميع البشر أخوة ولا يجوز أن يفصل الدّين بينهم، بل على العكس، يجب أن يكون مصدر تآخي وسلام لا حروب. وهذه رسالة للعالم، فاليوم هناك نوع من التيّارات السياسيّة في الغرب تتكلّم عن صِدام الحضارات والديانات، إنّما قداسة البابا يريد أن يقول أن هذا غير صحيح”. كما دعا غبتطه ألّا يُستغلّ الدين ولا يُقتل باسمه أو أن يتمّ العمل على تسييسه، فالدّين هو قِيَم انسانيّة وروحيّة وأخلاقيّة يجب المحافظة عليها، “ونتمنى أن يكون هذا الّلقاء مع السيّد السيستاني فعلًا في هذا الخطّ وأن تُوَّقّع هذه الوثيقة المشتركة لأن جميعنا بحاجة لها، ليس فقط في العراق إنّما في كلّ العالم”. وعن زيارة “أور” بالتحديد، أوضح، البطريرك أن بابا الفاتيكان يهتمّ لزيارة هذه المدينة لما تحمله من معنى تاريخي، وخصوصًا أن الكتاب المُقدّس أشار إلى أن الدّيانات الابراهيميّة انطلقت من “أور”، وبالتّالي، فإنّ قداسة البابا يقصدها للتأكيد على “أنّنا جميعًا من صلب هذه الدعوة الإبراهيميّة، فلنعود جميعاً مسيحيين ومسلمين ويهود إلى هذا المنطلق الذي يجمعنا. هذه هي الأمور القيّمة، فلا ننسى أنّنا لسنا أعداء، خرجنا من مصدر واحد، وتفرّعنا وأصبحنا بعد ذلك متنوّعين، وبالتالي يجب أن نحافظ على تنوّعنا”.

امّا عن زيارة الحمدانية والمناطق المسيحيّة المُحرّرة من قبل القوّات الأمنيّة في سهل نينوى، فقال البطريرك: “مَن منّا لَم يتألّم عندما كان داعش يجتاح الموصل وسهل نينوى ويقوم بالاعتداء على المساجد والكنائس؟ ومَن يَنسى المشاهد المُرعبة التي تمّ فيها القتل والدّمار وسفك الدّماء؟ هذه الدّماء هي دِماء شُهداء غَسلت أرض العراق، وقداسة البابا يريد أن يقوم بـ “حجّ” روحي لهذه الأرض التي شهدت إراقة لدِماء الأبرياء، ويمسحها بمحبّته الكبيرة وحضوره وصلاته، وهذا ما يشجّع المسيحيين والمسلمين ويدعوهم جميعًا للعودة إلى هذه الأرض الطيّبة التاريخيّة، كي لا يحملوا هذه المأساة ويغادروا دون عودة، ونحن نطالبهم أيضًا بالعودة، لأن الإنسان يتيم خارج وطنه. والعراق أكبر وأغنى دولة في تراثها الدّيني والرّوحي والثّقافي، ولا يُمكن أن تُترك هكذا، بل يجب أن يتمّ التمسّك بها. شعب العراق على تنوّعه يجب أن يُعيد بناء ثقافته وتاريخه وحضارته، وأعتقد أن قداسة البابا في هذه الزيارة يريد أن يقوم بهذه الدعوة التي نطالب بها نحن أيضًا”. ومن المعروف أنّ في مثل هذه الزيارات يشارك البطريرك قداسة البابا ويكون إلى جانبه، ولكنّ هذه المرّة الوضع يبدو مختلفًا. وتابع غبطتُه: “زُرت العراق أكثر من مرّة، المرّة الأولى كانت عندما تمّ الاعتداء على كنيسة سيّدة النجاة، والثانية كانت إلى إربيل في وقت الاعتداء على منطقة الموصل ورأيت الشعب هناك وكنت إلى جانبه، والثالثة عند اجتماع مجلس المطارنة الكاثوليك. وكنت أتمنّى من كلّ قلبي أن أذهب إلى العراق لأكون باستقبال قداسة البابا في هذه الأرض المباركة، والتي لنا فيها ولاية كبطريرك أنطاكية وسائر المشرق، ولكن ليس لدينا أبرشيّات أو رعايا، إضافة إلى اعتذار بطريركين لظروف قاهِرة، وعلاوة على ذلك انتشار جائحة كورونا. لذلك قدّمنا اعتذارنا.” وعن إمكانيّة أن تفتح هذه المناسبة آفاق لزيارةٍ مستقبليّة للراعي، أكّد أنّه بالطّبع سيزور العراق قريبًا عندما تدعو الحاجة، مردفًا عن الرّاوبط العاطفيّة التي تربط لبنان بهذا البلد فقال: “من منّا كلبنانيين ليس لديه قريب أو صديق واحد على الأقلّ يعمل في العراق، وأنا شخصيًّا أخوتي كانوا يعملون هناك، هذا البلد بالنّسبة لنا وطن عزيز على قلبنا ويعني لنا كثيرًا”.

وفي كلمة أخيرة، توجّه الراعي، للعراقيين قائلًا: “أولًا، أهنّئ من جديد العراقيين بزيارة قداسة البابا وكل ما ستحمل لهم من ثمار، وثانيًا، أتوجّه للشعب العراقي، وأطمئنه، نحن نرافقكم في صلاتنا اليومية، ولو عن بعد، ونركّز في هذه الصلاة على نجاح زيارة قداسة البابا من أجلكم. تشجّعوا، لا تخافوا، هذه الكلمة كان دائمًا يُردّدها السيّد المسيح في كلّ مرّة عصفت فيها الرياح القويّة وإشتدّت بها الأمواج… تشجّعوا، الله معكم،

شاهد أيضاً

جبران قديساً

بُعيد منتصف ليل أمس، شهد لبنان تقاطر حجاج مسيحيين من كل أصقاع الأرض، ما تسبّب …