مخازن الخوف والتفجير (1): لماذا الكشف في الضاحية مسموح وفي بعبدا ممنوع؟

بعد تفجير مرفأ بيروت، ساد الخوف والهلع عند اللبنانيين من تكرار هذه الكارثة في مناطق أخرى، خاصة تلك التي ورد ذكرها في الإعلام، والتي تحدّث عنها مسؤولون إسرائيليون واتّهموا حزب الله بتخزين أسلحة وصواريخ فيها.

فتحرّك أهالي المناطق المعنية، بينهم أهالي منطقة بعبدا، للمطالبة بكشف الحقائق، مع تواصل تدفـّق الأنباء عن وجود مخازن ومصانع أسلحة وصواريخ في مناطقهم السكنية. وزاد في حدّة المخاوف تفجير عين قانا الذي أحيا الهواجس من الاحتمالات الكارثية، وتزايد تصريحات إسرائيلية تؤشّر إلى أنّ تفجير بيروت ناتج عن عملية أمنية بسبب تخزين “حزب الله” صواريخ في المرفأ، وتحذير من تفجيرات مشابهة في أمكنة أخرى.
هواجس الأهالي سبق أن لاقت صداها لدى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي أدرك مدى عمقها وخطورتها، فأطلق تحذيرات وقرع أجراس إنذار متكرّرة، ودعا السلطات اللبنانية إلى “دهم كلّ مخابئ السلاح والمتفجرات ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي بين الأحياء السكنية”، في عظة 23 آب 2020 داعياً إلى “سحب هذه الأسلحة والمتفجرات من الأيدي، لكي يشعر المواطنون أنهم بأمان، على الأقل، في بيوتهم”.
ومع اتساع الحديث عن مخازن السلاح، وردت مطالبات إلى مجلس بلدية بعبدا للكشف والاطلاع على الموقع المشتبه به قرب مستشفى سان شارل، للاطمئنان إلى أنّه خالٍ من أي موادّ خطرة أو متفجّرة، فقام عدد من أعضاء المجلس البلدي بتوجيه كتاب إلى رئيس رئيس بلدية بعبدا – اللويزة أنطوان الياس الحلو يطلبون إرسال كتاب خطي إلى وزير الداخلية والبلديات، بصفته سلطة الوصاية، وإلى قيادة الجيش، باعتبار موقعها ضمن نطاق بلدية بعبدا – اللويزة، يتضمّن مخاوف المجلس البلدي وأهالي بلدتي بعبدا واللويزة من أيّ انفجار يقع في منطقة بعبدا، ولا سيما قرب المستشفى، حيث أشار رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي علني، مشيرين إلى أنّ المراجعة الشفوية لا تجدي نفعاً وليس لها أيّ أثر في حال وقوع أيّ انفجار.

حمل الكتاب تواقيع الأعضاء: إلياس بو خليل، زياد جورج رحال، آميل جورج رزق الله، سينتيا الأسمر، عبده جرجس معتوق، دوري عبدو الأسمر، ونايف رزق الله، الذين أكدوا أنّ “توجيه هذا الكتاب (إلى وزير الداخلية وقيادة الجيش) هو ضرورة لرفع المسؤولية عن البلدية، رئيساً وأعضاء، وتجنّباً للضرر، وحفاظاً على الأرواح والممتلكات في منطقتي بعبدا واللويزة”.

عضو مجلس بلدية بعبدا الإعلامية سينتيا أسمر أوضحت أنّه عندما امتنع رئيس البلدية عن التجاوب “بخصوص موضوع أمنيّ يطال بيوتنا وعائلاتنا، قمنا برفع كتاب رسمي إلى الرئيس من أجل تحديد المسؤوليات ولرفع الحرج عنه، لأنّ الكتاب صادر عن الأعضاء، وليس عنه شخصياً، وهذا يفترض أن يسهّل مهمة التخاطب مع الجهات المعنية، بعد أن جرى إيداعه القلم ليأخذ طريقه الرسمي والقانوني، لكن ما حصل هو العكس، حيث هاجم الرئيس الموقعين على الكتاب، متهماً إياهم بالترويج للدعاية الإسرائيلية”.
وشرحت الأسمر لـ”أساس” أنّ “وزارة الدفاع استدعت الموقّعين، وظنّنا أنّ السبب هو تبديد المخاوف، لكنّ التحقيق بحث في أساس الكتاب ومنطلقاته وسبب نشره في الإعلام، فشرح الأعضاء بأنّ النشر كان تلقائياً، وأنّ النسخة المتداولة هي نسخة علنية كانت ستخرج للرأي العام في كلّ الأحوال، استجابة لطلبات الأهالي المتزايدة، ولرفع المسؤولية عنـّا، كما سُئلنا عن مصدر معلوماتنا، وكانت الإجابات بأنّنا لا نملك مصدر معلومات خاص، بل كان تحرّكنا كردة فعل على تفجير بيروت وما جرى تداوله في الإعلام، وقد سلكنا الطرق القانونية نتيجة رفض رئيس البلدية التجاوب مع طلبنا بالاستفسار عن هذا الموضوع”.

وأكّدت الأسمر أن هذه المخاوف المشروعة تُحسم بطريقة واحدة “وهي الشفافية والوضوح والكشف العلني على الموقع الذي يجري الحديث عنه، فالثقة بالجيش كاملة وغير منقوصة، لكن لا يمكن الركون إلى تكهنات أو افتراضات، بل إنّ المطلوب اعتماد القانون والإجراءات المطمئنة والضامنة لسلامة الناس، والمستجيبة لنداء غبطة البطريرك الراعي”.

جهود الموقعين على الكتاب من أعضاء المجلس البلدي في بعبدا لم تصل إلى نتيجة مُرضية، لأنّه لم يجر الكشف على الموقع. وأكّد أكثر من عضو لـ”أساس”، فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، أنّه يفترض تنظيم كشف يراعي الأصول العلمية والتقنية، يقوم به الجيش على المكان المشبوه، يشارك فيه أعضاء المجلس البلدي وبحضور وسائل الإعلام، تماماً كما حصل في الجولة التي نظمها حزب الله للردّ على الاتهامات الإسرائيلية: فلماذا يجري الكشف هناك ويكون ممنوعاً هنا؟

يؤكّد هؤلاء الأعضاء أن نفي الجيش هو ضمانة ومسؤولية عن تأكيد خلوّ هذا الموقع من الصواريخ والمواد الخطرة، إلاّ أنّ هواجس الأهالي تحتاج إلى الرؤية المجرّدة، لتطمئنّ القلوب: “فنحن نشاهد تفاقم هذا الملف وانكشاف جوانب خطرة منه في أكثر من منطقة”.

بعيداً عن الحسابات السياسية وعن الارتباطات الخارجية، فإنّ كارثة تدمير بيروت ومرفئها، لن تغيب عن ضمائر وأذهان اللبنانيين، الذين لن يستطيعوا النوم بين الصواريخ بدون أن يروا الكوابيس المرعبة، بعد أن تحوّل لبنان إلى ورشة لإنتاج كلّ أنواع المتفجرات، فهل من وسيلة لإبطال مفعولها، أم أنّ الانفجار حتمي وسيقع مع سابق الإصرار والتصميم؟!

 

أحمد الأيوبي – أساس