” كارلو” و”الياس” حدِّقا نحن هنا

كارلو أكوتيس إبن الخمس عشرة سنة. قتلته اللوكيميا فصار جسداً ممجّداً. تطويب هذا المراهق الذي أهدانا الله بحلّة جديدة سيكون هذا الأسبوع على يد الحبر الأعظم. شابٌ إيطالي من جيل الإنترنت نذر قلبه ووقته لأرشفة معجزات اعترفت بها الكنيسة الكاثوليكية على مرّ تاريخها. وضّبَها ونظّمها ووثَّقها لتصبح وليمة روحية بلباس عصري. الله ما يزال يخترع كل يوم وسيلته ليقرع أبواب بيوتنا. دخل الله علينا هذه الأيام عبر الحاسوب والسوشيل ميديا. استعمل موهبة شابٍ أصرَّ على أن يصلّي مسبحة الوردية كل يوم، وأن يحتفل بالقداس الإلهي كل يوم، وأن يبقى كل يوم أيضاً رغيفاً أشقر بين أصابع المسيح.

شفيع الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي كما بدأت الكنيسة بتسميته هو علامة جديدة من علامات لقاء العصرنة مع الإيمان. الشعور بالقوة الذي لا يتناقض مع تواضع السجود. خلال سنيّه القليلة على الأرض كان هدف كارلو الدفاع عن ضحايا التنمّر في المدرسة وعيش فضائل الفقر الإرادي والخدمة المجانية. كان كارلو يأنف من هدايا التخمة وكل ما يبالغ في تحقيق الرفاهية. مراهق يترجم في سلوكه ألف كتاب لاهوت وألف سنكسار. نابغة في علم الكومبيوتر كما كان يصفه رفاقه في المدرسة. أسّس موقعاً إلكترونياً وثّق فيه معجزات القديسين بحرفية كهنوتية. علماني مترهّب وراهب مدني. كان حبه لله عظيماً لا بل استثنائياً. أن يكون المرء مطموراً تحت ركام اسمنتي من المغريات، وأن يحتفل كل يوم من دون استثناء بالذبيحة الإلهية، فهذا يعني أن روح الله أقوى من الإسمنت.

كان كارلو يقول إن الإفخارستيا طريقه الى الجنة. كان متيّماً بالعذراء مريم. عن عمر كان يناهز الثانية عشرة قال: “مريم هي المرأة الوحيدة في حياتي”. عاش كارلو حياة عفيفة تجنّب فيها التلوث الأخلاقي والجنوح السلوكي. كلَّفه ذلك أحياناً العزلة والتهمة والتجنّي. كان همّه تحقيق إرادة الله، ولذا كانت علاقته بالمسيح مبنية على فرح الطاعة وانتظار المهمة الآتية كل إشراقة صباح. في شوارع مونزا الإيطالية كان الفقراء ينتظرون هذا المراهق كل يوم ليوزّع عليهم قليلاً من المال وبعض كسرات الخبز.

أجهزت اللوكيميا على جسم كارلو الطري في العام 2006. قبيل موته طلب إلى أهله أن يدفن في أسيزي الإيطالية ليكون إلى جانب القديس فرنسيس الأسّيزي. من أقوال كارلو: “كلُّنا نُخلَقُ مستندات أصلية لكن غالباً ما ننهي حياتنا نسخاً مصوّرة”. أن نكون صفيحة بيضاء أشبَهُ ما نكون الى براءة الإختراع الناصعة، ثم أن نتحوّل بالشحتار والغبار الى خِرقة تُمسَح بها كل الموبقات. أراد كارلو البقاء “تابولا رازا”.

أُهدي كارلو طالما صار مُلكاً للبشرية. أهديه وقد كُشِف اليوم عن جثمانه بعد أربعة عشر عاماً على وفاته. أهدي جسده الذي لم يفقد نضارته ووجهه الذي لم يخسر تعابيره. أهديه مع علمي المسبق بأني أظلم عشرات الشهداء الذين قضوا في انفجار مرفأ بيروت. أهدي كارلو أكوتيس إلى الياس الخوري. مثله ارتحل في العمر نفسه، ومثله أحبَّ الله والعذراء.

تأمّلوا معي في وجهَي كارلو والياس المتشابِهَين. واحد قتلته لوكيميا وواحد قتلته نيترات الأمونيوم. واحد استدعاه الله وواحد قتله الإنسان. ضحكة سماوية واحدة. إذعان مطيع لنهاية مطاف جعل من الأول طوباوياً ومن الثاني شهيداً. معاً يعالج كل من كارلو والياس وجع أُمَّيهما وأبويهما ويعزيّانهم بحياةٍ أبدية يمضيانها بالتنزه في حدائق أحزاننا الأرضية واقتلاع بعض الشوك من تحت أظافرنا. معهما نصلّي في ذكرى شهرين على المجزرة علّهما يتشفعان بنا من هناك صوب هنا. هناك من جنَّتهما وهنا من جهنَّمِنا.

روني ألفا – النهار