الدولة أمام خيارين


باستثناء وجودها على خريطة لبنان، لا تبدو منطقة بعلبك -الهرمل ضمن نطاق الدولة اللبنانية، ولا حتى اي دولة، بالمفهوم المتعارف عليه عالميا. كل ما يدور في هذه المساحة الجغرافية يحكمه اللا منطق واللا قانون ، باستثناء تسخير مؤسسات الدولة لحشوها بأزلام المنتمين والمناصرين للاحزاب صاحبة الكلمة الفصل المهيمنة على كل شاردة وواردة في دويلتها. حتى المتعارف عليه على انه “عشائر” لم تعد تنطبق عليه هذه الصفة الا بالاسم، بعدما نخرته الاحزاب وضربت حتى العمق “شريعته” وكل مفاهيمها.
مناسبة الحديث عن هذه المنطقة العزيزة على قلوب اللبنانيين جميعا، وتحديدا على ابنائها المقصيين عنها قسرا لرغبتهم بالعيش في دولة تبعد عنهم شبح الفلتان الامني والتسيب والسرقات والثأر، بعدما كانت في العقود التي سبقت التسعينات وحتى في عز الحرب الاهلية واحة للسلام ولاستقبال الضيف وللكرم الذي يشهد له العالم، هي الفلتان الامني الذي شهدته في اليومين الماضيين بين عشيرتي آل جعفر وآل شمص والعراضات المسلحة التي انتشرت عبر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر حجم االتسيب الامني، ويؤكد بعضها مدى تورط الاحزاب في المسائل العشائرية وتحكّمها بها بإقرار بعض من وثقتهم هذه المقاطع المسجلة بالصوت والصورة، فيما تظهر اخرى استخدام آليات لمؤسسات في الدولة لا سيما شركة كهرباء لبنان في العراضات المشار اليها، ما يرسم علامات استفهام واسعة حول مدى استخدام الدولة وتسخير املاكها “على عينك يا تاجر” لمصلحة قوى الامر الواقع.
بيد ان السؤال الاهم يكمن في تفرج الدولة بأجهزتها الامنية والعسكرية على استمرار استباحتها بكل ما للكلمة من معنى، من دون ان يرف جفن للقيمين على “الدولة القوية” او يتحرك احد لوقف مسلسل “المسخرة” المستمر حفاظا على ماء الوجه لا أكثر. الدولة القوية هذه ليست بالتغني بالحفاظ على الدستور واطلاق المواقف، تقول مصادر سياسية معارضة انما بفرض الهيبة والقانون الذي يسري على “ناس وناس” فيما لا يتجرأ احد مما تبقى من اثار الدولة، التي امعنت الدويلة وكل من يقدم لها الدعم في دكّ اسسها وذبحها من الوريد الى الوريد تارة بحجة تحالف واخرى بذريعة عدم القدرة على مواجهة سطوة سلاحها وتاليا ربط نزاع معها . وتسأل والحال هذه عن دور المؤسسة العسكرية وقوى الامن الداخلي وسائر الاجهزة الامنية في حماية المواطنين العزّل وما تصفه بالاستنسابية في التعاطي الامني بين المناطق حيث تحضر الدولة بكل اجهزتها اذا ما وقع اشكال بسيط او تم اطلاق رصاصة من مسدس في الافراح او الاتراح في سائر المناطق اللبنانية ، فيما تغض الطرف عن معارك بكل ما للكلمة من معنى تستخدم فيها جميع انواع الاسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية الباهظة الثمن، مكتفية ببيان لا يسمن ولا يغني من جوع، على غرار ما فعلت ابان انفجار عين قانا الذي منعت قوى الامر الواقع دخول اي جهاز امني الى المنطقة التي وقع فيها فارضة طوقا امنيا من دويلتها الخاصة، ولم يخرج حتى الساعة اي مسؤول في الدولة اللبنانية ليعلن اسبابه الحقيقية ويوضح للرأي العام ما جرى.
وتبعا لذلك، تشير المصادر الى ان على الدولة واجهزتها ان تقدم على واحد من أمرين، فإما ان تفرض سلطتها وهيبتها على هذه المناطق وفق الدور المنوط بها وعلى اساس انها اراض لبنانية خاضعة للقانون، والا فلتنسحب منها وتسلمها للاحزاب المسيطرة هناك، كي لا يُسجل عليها تخاذلها وتسقط صورتها من عيون من يراهن عليها من اللبنانيين ممن لا يزالون يحتفظون بذرة ايمان بها، والجميع يعلم ان ارادة الاحزاب ان توافرت لمساعدة الجيش في مهمة فرض الامن تفعل فعلها، على غرار ما هو حاصل في مناطق بيروت وتحديدا في ضاحيتها الجنوبية، لكن في محمياتها الامنية، لا مكان للدولة ولا لجيشها.