قراءة سیاسیة في خطاب جعجع السنوي


الإحتفال السنوي للقوات اللبنانیة إحیاء وتخلیدا لذكرى شھدائھا لم یكن “شعبیا” ھذه السنة بسبب جائحة “كورونا”… ولم یشھد حضورا سیاسیا للحلفاء، وإنما اقتصر على حضور قواتي صافٍ شمل الوزراء السابقین والنواب الحالیین والسابقین والمسؤولین والكوادر ورؤساء الأجھزة والمصالح… ومع ذلك، فإن ھذا الإحتفال المركزي الذي تمیّز بتنظیم دقیق متماسك، كان له وقع خاص ومدو ھذه السنة بفعل الخطاب السیاسي الشامل الذي حدد موقف القوات وتموضعھا ورسم الإطار السیاسي للمرحلة وعناوینھا الرئیسیة.

ھذا الخطاب ھیمنت علیه أجواء إنفجار بیروت الذي خلط الأوراق والأولویات، متقدما على الأزمة الاقتصادیة وفداحتھا. ھذا الخطاب أغفل الإشارة الى الحكومة الجدیدة وتجاھل التكلیف والتألیف ولم یطرح أولویة الإصلاحات، لأن رئیس حزب القوات اللبنانیة الدكتور سمیر جعجع لا یأمل خیرا وتغییرا مع المنظومة الحاكمة، ولا یرى الحل في تغییر الحكومة وإنما في تغییر الطبقة السیاسیة الحاكمة، ولا یرى المشكلة في الحكومة وإنما في عاملین أساسیین ھما:

التعدي الحاصل على الدولة ودستورھا وسیادة سلطتھا ومؤسسات وقرارھا من دویلة نمت في كنفھا وعلى حسابھا…

والفساد المستشري في الدولة وینخر جسم الإدارات والمؤسسات حتى العظم.

في السیاسة یشیر جعجع الى “تفاھم مار مخایل” “المشؤوم” كصفقة بین حزبین على حساب لبنان الوطن والدولة، ویدل علیه بالإصبع بصفته المسؤول ویختصر “أسباب كل ما وصلنا إلیه”. وللمرة الأولى یخاطب جعجع حزب الله مباشرة، ویدعوه الى مراجعة سیاساته وخیاراته، إذ لا یمكن له أن یستمر من دون أن یغیّر في توجھاته وسلوكه، ومن دون أن ینظم علاقاته مع الدولة كأي حزب سیاسي وینخرط مشروع إعادة بنائھا… مشددا على تسلیم الحزب قرار الحرب والسلم للدولة، والكف عن التدخلات الخارجیة السافرة في شؤون وشجون أكثر من دولة عربیة، والكف عن لعب دور رأس الحربة للمشروع الإیراني في المنطقة… فقد حان أوان إتخاذ القرار الصعب والصائب، قرار العودة الى لبنان بالمعنى العریض للكلمة…
مع حزب الله قرر جعجع وقف سیاسة المھادنة… ومع التیار الوطني الحر قرر “القطع” مع مرحلة إتفاق معراب “المطعون” من الطرف الآخر “الذي أراده مجرد مصلحة سیاسیة آنیة وسارع القیّمون على العھد للتخلص منه، مسقطین بذلك نقطة إرتكاز أساسیة للعھد ورافعة سیاسیة وشعبیة وإصلاحیة”…

كاد جعجع أن یدعو الى إسقاط رئیس الجمھوریة لكنه لم یفعل. واكتفى بالدعوة الى إسقاط كل المنظومة الفاسدة.. معتبرا أن المدخل الأساسي للتغییر ھو مجلس النواب من خلال انتخابات مبكرة أو في موعدھا… ومعتبرا أن الانتخابات بمثابة “المخرج لمأزق” إنتفاضة ١٧ تشرین “التي غیّرت في مسار الأحداث والذھنیات، ولكنھا لن تؤتي ثمارھا في الشارع فقط، وستجنح الى الفوضى والمراوحة والإستنزاف الذي إذا لم یكن لھا خارطة طریق واضحة توصلھا الى تحقیق أھدافھا، وكي تحقق أھدافھا یجب أن تنتقل الى صنادیق الإقتراع وأن تنقل المواجھة الى أرض الانتخابات”… ھذه النصیحة لانتفاضة ١٧ تشرین جاءت مرفقة بإشارة إنتقادیة حیال شعار “كلن یعني كلن” حتى لا تضیع البوصلة، وحتى لا ینطبق علیھا المثل الإنكلیزي: “بالتعمیم تصبح أحمقا”. فنحن مع شعار “كلن یعني كلن” إذا كان المقصود به كل الفاسدین وكل المرتكبین، أما إذا كان المقصود به كل السیاسیین وكل الأحزاب وكل شيء، فیكون شعارا عدمیا عبثیا ظالما”…


یشدد جعجع على أن إجراء الانتخابات على أساس القانون الحالي الذي تطلب الكثیر من الوقت والجھد، مساویا بین الداعین الى قانون جدید للانتخابات وبین الساعین الى عدم إجراء الانتخابات لا قبل موعدھا ولا في موعدھا حتى… ومحذرا من أي محاولة لتمریر قانون انتخابات لا یراعي التركیبة المجتمعیة التعددیة للبنان ویخطط للوصول الى تطبیق الدیمقراطیة العددیة تحت شعار إلغاء الطائفیة.

كاد جعجع أن يسمي مشروع الرئیس بري الداعي الى قانون انتخابات جدید على أساس النسبیة ولبنان دائرة واحدة وخارج القید الطائفي، لكنه لم یفعل… وثمة إشارة ثانیة تعني الرئیس بري ضمنا ھي المتعلقة بالدولة المدنیة ولكنھا تعني بشكل أوضح الرئیس میشال عون الذي دعا قبل أیام الى قیام الدولة المدنیة كحل للأزمة. یعتبر جعجع أننا نعیش أصلا في دولة مدنیة ما عدا الأحوال الشخصیة المرتبطة بالمعتقدات الدینیة ویصعب تغییرھا، وما عدا توزیع مراكز الدولة على المكّونات الطائفیة المرتبطة باتفاق الطائف وبتركیبة لبنان التعددیة…


أما الدعوة الى عقد إجتماعي جدید والى مؤتمر تأسیسي، فإن جعجع یؤكد الجھوزیة له ولكن على أساس أن یكون محوره الأساسي “اللامركزیة المو ّسعة”. وكاد جعجع ھنا أن یقول الفدرالیة ولكنه لم یفعل، وأن یكون عنوانه ھو تطبیق إتفاق الطائف وفقا لمندرجاته التي في أساسھا حل كل المیلیشیات اللبنانیة وغیر اللبنانیة وتسلیم أسلحتھا الى الدولة اللبنانیة.

أما بالنسبة لموضوع الحیاد الذي طرحه البطریرك بشارة الراعي، فقد أیده جعجع من خلفیة أن الحیاد ھو أحد المبادئ التأسیسیة للدولة والمیثاق الوطني، وأن المقصود به حیاد تجاه سیاسة المحاور وتدخلات أطراف داخلیة في حروب المنطقة وصراعاتھا، ولیس حیادا تجاه القضایا العربیة والمنطقة، وأولھا القضیة الفلسطینیة. وإذ یعلن جعجع دعمه للراعي لإعادة إرساء أسس الكیان اللبناني على قاعدة الحیاد، فإنه یدین بشدة التطاول على مقام سید بكركي والإتھامات الظالمة التي توجه ضده ولا ینطبق أصلا إلا على مطلقیھا…


ورغم كل شيء لا ینسى جعجع المحكمة الدولیة ویكاد أن ینفرد بالمطالبة بتسلیم سلیم عیاش متقدما على صاحب العلاقة تیار المستقبل في ھذا المجال، ولا ینسى أن یوجه تحیة الى “روح الشھید رفیق الحریري”، كأنه یغمز من قناة سعد الحریري الذي لم یأت ِ على ذكره…

شاهد أيضاً

بكركي تعوِّض عن الفراغ الفاقع في الرئاسة

اليوم تتوجه جماهير لبنانية من كل المناطق الى بكركي دعماً لمبادرات البطريرك الماروني بشارة الراعي …