الراعي يحيي الذكرى الأربعين لضحايا انفجار مرفأ بيروت

أشار البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى أننا “نحيي اليوم الذكرى الأربعين لضحايا انفجار مرفأ بيروت، الموتى والجرحى والمفقودين والمشردين من دون مأوى، والمنكوبين ببيوتهم ومؤسساتهم ومتاجرهم، بالإضافة إلى الدمار الكبير في المنازل والمستشفيات ودور العبادة والمدارس والجامعات والمطرانيات والفنادق والمطاعم وسواها من المؤسسات العامة والخاصة. من أجلهم جميعًا نقدم هذه الذبيحة الإلهية، وإليها نضم ذبائحهم الشخصية، لراحة نفوس الموتى، وعزاء عائلاتهم، وشفاء الجرحى، وإيجاد المفقودين، وانفراج المنكوبين، ومساندة الفقراء والمعوزين”.

وتوجه، خلال قداس الأربعين لضحايا المرفأ، إلى أهالي الضحايا قائلاً، “في ضوء انتصار صليب يسوع لفداء العالم، نقول لكم يا أهالي ضحايا الانفجار: مات أحباؤكم، أحباؤنا، المئة واثنان وتسعون، بالنار ولكنهم يقومون بالنور. ماتوا بجريمةٍ متوقعةٍ، لكنهم يرقدون بعناية الله. لا نحيي ذكراهم الأربعين لنطوي صفحةً، لن تطوى أبدًا، فحياتهم لن تذهب في ذمةِ مجهول. بل نحيي ذكراهم لنفتح قضيةً لن نغلقها حتى معرفةِ الحقيقة”.

وأكد أن “التخبط في التحقيقِ المحلي والمعلومات المتضاربة وانحلال الدولةِ والشكوك المتزايدة في أسباب الانفجار، والحريق الثاني المفتعل والمبهم منذ ثلاثة أيام، وإهمال المسؤولين عندنا، ووقوع ضحايا أجانب كانت من بينها زوجة السفير الهولندي في لبنان ونحي هنا سعادة السفيرة القائمة بأعمال السفارة الهولندية الحاضرة بيننا ونحملها تعازينا الحارة الى سعادة السفير”.

وأضاف، “كل ذلك يستحثنا أكثر فأكثر على المطالبةِ مجددًا بتحقيقٍ دولي محايدٍ ومستقِل. فالعدالة لا تتعارض مع السيادة، ولا سيادة من دون عدالة. وما معنى سيادةٍ تنتهك يوميا داخليا وخارجيا؟ وإذا كانت السلطات اللبنانية، لأسبابٍ سياسيةٍ، ترفض التحقيق الدولي، فواجب الأمم المتحدة أن تفرِض ذلك لأن ما حصل يقارب جريمةً ضد الإنسانية. فإذا كان قتل شعبٍ، وتدمير عاصمةٍ، ومحو تراثٍ لا يشكلون معًا جريمةً ضد الإنسانية، فأي جريمةٍ أفدح؟”.

وتابع، “أجل، أتت عندنا الساعة التي أعلنها الرب يسوع لأولئك اليونانيين الذين أتوا من بعيد ليروه. وهي ساعة القضاء على المؤامرة بحق بيروت ولبنان واللبنانيين، هذا الوطن صاحبِ النموذج والرسالة في محيطه العربي، والمميز بنظام العيش المشترك، والتعددية الثقافية والدينية، والديمقراطية القائمة على الحريات العامة وحقوق الإنسان، والانفتاح الثقافي والتجاري على الدول، والحياد الناشط والضروري في هذه البيئة العربية والمشرقية لكي يكون لبنان مكان التلاقي والحوار للجميع؛ إنه بحياده الناشط ضرورةٌ لهذه البيئة، ومصدر حياةٍ نابضة له وعيشٍ كريم لشعبه”.

وشدد الراعي على انه “لقد اتضحت معالم المؤامرة بحق بيروت ولبنان: في تشويهِ مطالب الثوار والاعتداءِ عليهم، واندساسِ فرقٍ منظمةٍ بين صفوفهم وبعثرةِ مجموعاتِهم المسالمة؛ وفي تخريب قلب بيروت لمنع ازدهارِها وتكسيرِ مؤسساتِها السياحية والتجارية ومعالـمها الأثرية، وفي تحطيم المصارف وضربِ الثقة بها؛ وفي رفعِ الشعارات المذهبية وإثارةِ النعرات الطائفية والمناطقية؛ وفي تفجيرِ المرفأ الذي دك نِصف العاصمةِ وصولًا إلى الحريقِ الكبير منذ ثلاثة أيام. هذه كلها تشكل محضر إدانةٍ واضحةٍ لمن تشملهم الشكوك والتهم”.

وأضاف، “ساعة يسوع كانت ساعة إتمام الإرادة الإلهية بخلاص العالم بقوة موته على الصليب وقيامته. فسماها ساعة تمجيده. وجعلها نهجًا لتحقيق العظائم في هذا العالم، إذ قال، من يحبْ نفسه يهلِكْها، بحيث إن محبة الذات بما لها من شهوات العين والجسد وكبرياء الحياة هي هلاكها. ومن يبغضْ نفسه في هذا العالم يحفظْها لحياة الأبد، بمعنى أن التجرد من الذات بالانتصار على الشهوات هو خلاصها الأبدي. الأنانية لا تعرف إلى الخير العام سبيلاً، وصاحبها لا يعرف طعم الحرية وفرحها. اجل يا اهل الشهداء الاحباء، وبالرغم من كل ألم هي ساعة تمجيدهم لانه بموتهم يولد لبنان الجديد”.

وسأل الراعي، “لماذا يتعثر تأليف حكومةٍ إنقاذية مصغرة مستقلة، توحي بالثقة والحياد في اختيار شخصياتها المعروفة بماضيها وحاضرها الناصعين، أشخاصٍ غير ملوثين بالفساد؟ أليس لأن المنظومة السياسية غارقةٌ في وباء الأنانية والفساد المالي والمحاصصة على حساب المال العام وشعب لبنان؟”.

وأكد انه “لا يمكن بعد الآن القبول بحكومةٍ على شاكلة سابقاتها التي أوصلت الدولة إلى ما هي عليه من انهيار، حكومةٍ يكون فيها استملاكٌ لحقائب وزارية لأي طرف أو طائفة باسم الميثاقية. ما هي هذه الميثاقية سوى المناصفة في توزيع الحقائب بين المسيحيين والمسلمين، وعلى قاعدة المداورة الديمقراطية، ومقياس الانتاجية والاصلاح؟ ثم أين تبخرت وعود الكتل النيابية، عند الاستشارات، بأنها لا تريد شيئًا ولا تضع شروطًا؟ هل تبخرت كلها بقوة الاعتداد بالسلطة والنفوذ والمال والسلاح والاستقواء بالخارج؟ فإنا نذكرهم بمصير ذاك الجمل الذي كان يحتقر رمال الصحراء ويدوسها بأخفافه العريضة مستقويًا عليها بضخامة جثته وثقله. وكيف ذات يوم عصفت الريح وقالت لحبات الرمل: “تجمعوا وتوحدوا وتعالوا نسحق الجمل معًا”. فكانت عاصفةٌ من الرمال شديدةٌ طمرت ذاك الجمل ولم تترك له أثرًا ينظر!”.

وأضاف، “فاتعظوا أيها المسؤولون السياسيون! الشعب المجروح وثورة الشباب الغاضبة أقوى منكم، لأن قوتها مستمدة من الضحايا التي ذبحت على مذبح إهمالكم ومصالحكم، ومن الجرحى والمفقودين والمنكوبين، ومن فقرهم وعوزهم وحرمانهم. أجل، إنها “ساعتهم” المستمدة من ساعة المسيح الذي ارتضى الموت على الصليب لفداء كل إنسان من شروره وأنانيته وكبريائه، وقام من الموت ليبث الحياة الجديدة في تاريخ البشر. وهكذا تبقى دعوته لكل إنسان كي ينجذب إليه وإلى محبته، قائلاً: وأنا عندما أرفع عن الأرض، أجتذب إلي كل إنسان”.

وشدد الراعي على “أنها ساعة ولادة لبنان الجديد من فلذة اكبادكم التي وحلت الى مجد السماء، مثل ولادة السنبلة من حبة الحنطة التي تقع في الأرض وتموت، كما أنبأ الرب يسوع في إنجيل اليوم”.

شاهد أيضاً

تمديد ولاية المحكمة الخاصة بلبنان: الجرائم الإرهابية لن تمر بدون عقاب

صدر عن المحكمة الخاصة بلبنان البيان التالي: مدّد الأمين العام للأمم المتحدة (“الأمين العام”) ولاية …