أضرار “القوة القاهرة” تفوق “فائض القوة”

ما هي الأسباب العليا أو القاهرة التي تجعل الثنائي الشيعي يتحمل أضرار إصراره على طلب حق الفيتو في الحكومة اللبنانية، عن طريق التمسك بمطلب تكريس وزارة المال لوزير من الطائفة الشيعية؟ وهل يمكن التعويض عن هذه الأضرار في المستقبل وعن انعكاساتها السلبية على العلاقات بين المكونات اللبنانية؟

فهذه الأضرار تفوق أي مكسب يمكن لـ”حزب الله” أن يحققه، إلا إذا كان يعتبر أن تعطيل تأليف الحكومة هو المكسب له ولإيران، في ظل لعبة الأمم وتبادل الضغوط في المنطقة، في المواجهة بين طهران وأميركا.

وإذا كان إفشال الثنائي ومن ورائه إيران، المبادرة الفرنسية بحجة أن الأميركيين يتلطون بها من أجل تقليص هيمنة “الحزب” على القرار السياسي اللبناني، بتشكيل حكومة يتراجع دوره فيها، فإن واشنطن لن تكون منزعجة من هذا الإفشال، لأن التمايز بينها وبين باريس في الموقف من “حزب الله” واضح. إدارة ترامب لم تراهن على أن ينجح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إقناع “حزب الله” بالتنازل، متسلحاً بامتناعه عن الاستجابة لضغطها كي تصنفه إرهابياً. بل إن هذه الإدارة وضعت في حساباتها ألا يستجيب “الحزب” للرغبة الفرنسية في إعطاء لبنان وقتاً مستقطعاً للحيلولة دون المزيد من التدهور في مأزقه الاقتصادي والسياسي، وجاهرت باختلاف نظرتها مع باريس، عن مراهنات الأخيرة على تجاوب “الحزب”.

بات واضحاً بالنسبة إلى كثر، أن هناك تقاطعاً أميركياً إيرانياً على إفشال المبادرة الفرنسية. فـ”الحزب” ومن ورائه إيران، وجد أن الانتقال من معادلة حكومية يتحكم هو مع حلفائه بها، كما هو الأمر في حكومات سابقة لا سيما في عهد الرئيس ميشال عون، إلى أخرى انتقالية تنحصر مهمتها بالإنقاذ الاقتصادي والمالي، لفرنسا دور رئيسي في مواكبتها، تنازل لا يتناسب مع فائض القوة الذي سمح له بفرض هيمنته في السنوات السابقة. والتشبث بوزارة المال بالنسبة إليه هو بديل للثلث المعطل أو للأكثرية الراجحة في الحكومات المتعاقبة. فالتوقيع الثالث وسيلة للتعطيل إزاء أي قرارات سياسية قد لا تتناسب مع الانتماء الإقليمي أكثر مما هو تعزيز لصلاحيات طائفة. وهذا التوقيع جرى استخدامه في السابق من أجل مبادلته بمطالب محددة في السلطة السياسية وفي المؤسسات. وكان يُحجب عن مراسيم، مقابل مراسيم أخرى سواء كانت من أجل منافع، أو من أجل تعيينات أو لضمان توجهات سياسية مع محور الممانعة.

أضرار إفشال مبادرة ماكرون تبدأ بتسهيل “الحزب” ضرب مبادرة ماكرون في شكل يعاكس الادعاء بالحرص عليها، وبدفع فرنسا إلى الانحياز إلى وجهة النظر الأميركية. ولا تنتهي عند تسويغ المزيد من العقوبات من قبل واشنطن ضد “الحزب” وحلفائه، خلافاً للاعتقاد بأن الجانب الفرنسي قد يمارس ضغطاً يعجز عنه، على ترامب لوقف هذه العقوبات. فماذا عن أضرار خسارة متانة التحالف بين “حزب الله” وبين “التيار الوطني الحر” كما أظهرت المواقف الأخيرة لرئيسه جبران باسيل، بتأييده المداورة الكاملة في الحقائب ورفضه تخصيص حقيبة لطائفة، وضرورة انسحاب “الحزب” من سوريا، وبتأييده الحياد، وترسيم الحدود البحرية والبرية… وماذا عن خسارة التفاهم السني الشيعي الذي دفع سعد الحريري ثمناً باهظاً له؟…

مرة أخرى يحمّل “الحزب” حليفه الرئيس نبيه بري، والطائفة والبلد وسائر المكونات، وزر موقف يتصل بحاجة طهران إلى التشدد في لبنان نتيجة الضغوط عليه في كل المنطقة. ومصدر هذا الموقف قوة قاهرة لا القوة الفائضة وحدها.

 

وليد شقير-نداء الوطن