18 آب: حكم العدالة


الساعات الاتية ستضع لبنان امام منقلب تاريخي غير مسبوق سواء اعترف بذلك المكابرون من هنا وهناك، ام ظلوا على سياسات النعامة يغطون رؤوسهم بالرمال الحارقة. الآتي هذا اليوم من مدينة لاهاي، عاصمة ومركز المحاكم الدولية او ذات الطابع الدولي، هو الحكم الذي طال انتظاره في قضية العصر التي اطلقت اشرس حرب اغتيالات عرفها لبنان في حروبه الداخلية او الحروب الخارجية عليه والتي حصدت نخب الحركة السيادية والاستقلالية بمنهجية إجرامية قلما عرفها بلد في العالم الا حيث الأنظمة الديكتاتورية العاتية تحتحكم الطغاة الدمويين.

اليوم هو يوم احكام العدالة الدولية في قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الشهداء الذين سحقوا وحرقوا وقتلوا بأبشع الصور الاجرامية التي عرفتها جريمة اغتيال جماعية في العالم بل هي كانت مجزرة إجرامية بكل معايير المجازر الوحشية. منذ مطالع الحرب في لبنان، كاد اللبنانيون يقعون في لجة اليأس من العدالة المحلية بعدما فقدوا نخبا سياسية وزعماء ورجال سياسة وفكر واعلام في حقبات مختلفة.

لم تنكسر هذه الحلقة القاتمة في تاريخ الجرائم السياسية والإغتيالات والتصفيات السوداء واستباحة دماء الخصوم والمناضلين الا في تلك المعركة الطويلة المضنية التي خاضها المعسكر السيادي المتمثل بثورة الأرز وانتفاضة 14 آذار عقب انطلاق حرب الاغتيالات ومحاولات الاغتيال وزلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري بحيث صار انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الحدث المنقلب الأكبر في مجريات الحدث اللبناني داخليا وامميا بانتزاع حق وإنجاز انشاء هذه المحكمة الدولية الأولى ذات الاختصاص الحصري بجرائم الإرهاب وإحالة جريمة اغتيال الحريري عليها والجرائم المترابطة ضمن اطار زمني يبدأ بمحاولة اغتيال مروان حمادة ويمتد حتى جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني. بين 14 شباط 2005 تاريخ اغتيال الحريري الى 18 آب 2020 سيقيم الحكم الذي ستلفظه المحكمة الخاصة بلبنان اليوم جدارا فاصلا بكل المعايير التاريخية بين عصر الإفلات من العقاب وفجر عصر المحاسبة والعقاب المشروع والعدالة التي ستلف حقائقها الساطعة الحاسمة غير الخاضعة لاي معيار غير معيار الحقائق العلمية مهما شكك المدانون ومن حركهم ومن دفعهم ومن امرهم ومن تواطؤ على السلم الأهلي والاستقرار والاعمار والتطور اللبناني عبرهم سواء لأهداف ذاتية ام تبعا لاهداف تآمرية خارجية. اليوم ومهما تفنن المشككون في حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وزعموا انه صناعة عدوة سيكون تاريخ نهاية عصر الترهيب الذي يتوسل التصفية الجسدية والشخصية الاجرامية وسيلة لفض النزاعات السياسية واثارة الفتن النائمة واشعال الحساسيات الطائفية والمذهبية بلوغا الى تقويض الأمان الاجتماعي والأمني.. كل ذلك تحت ستار لغة مزدوجة تزعم الحرص على السلم الأهلي والاستقرار وتجنب كل ما من شأنه اثارة الفتن! أيا تكن ردود الفعل الداخلية والخارجية المرحبة او الرافضة او المتحفظة او الـ “ما بين بين ” على الحكم الذي ستصدره “محكمة الحريري” كما صارت موصوفة في الاعلام العالمي منذ إنشائها فليس هذا حدثا يتكرر ان يصدر حكم بأعلى مواصفات التحقيقات والمحاكمات الأعرق في الاحتراف القضائي في هذه القضية بما يفتح الباب على الغارب امام الامال المعلقة على استكمال سلسلة المحاكمات في القضايا المترابطة. لذا سيكون لبنان بأسره مشدودا اليوم الى متابعة وقائع لفظ الحكم في قضية اغتيال الحريري باعتباره يوم العدالة الدولية التي لا نقول انها ستثأر لدماء الحريري ورفاقه الشهداء الذين سقطوا بتفجير طن ونصف الطن من المتفجرات بل ستحقق حكم العدالة في الجناة والمدانين وترفع هذا الحكم علامة بدء العد العكسي لتسوأ عصور الاستباحة الدموية في فض النزاعات.

شاهد أيضاً

جبران قديساً

بُعيد منتصف ليل أمس، شهد لبنان تقاطر حجاج مسيحيين من كل أصقاع الأرض، ما تسبّب …