هل طرح ماكرون على اللبنانيين صيغة “المثالثة” بدلا من “المناصفة”؟

قبل أسابيع قليلة من انتهاء المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، حيث يتوقع عودة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان للمشاركة بالاحتفالية الرسمية في أدقّ فترة في تاريخه، تشير المعلومات إلى مساعٍ حثيثة تقودها فرنسا لترتيب تفاهمات إقليمية وداخلية تُنجز تسوية سياسية للأزمة اللبنانية “يزفّها” ماكرون شخصياً.

وفي هذا السياق، تحدّثت مصادر إعلامية عن تسريبات لعناوين الورقة الإصلاحية الفرنسية، وهي محصلة اتصالات أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع القيادات السياسية اللبنانية وتتضمّن عناوين برنامج إصلاحي لحكومة تشكل سريعاً سميت “حكومة المهمة”.

وأبرز عناوين هذه الورقة: تدقيق جنائي كامل بمصرف لبنان. موافقة مجلس النواب السريعة على مشروع قانون بتنظيم “الكابيتال كونترول”. تعديل قانون الكهرباء وتعيين الهيئة الناظمة من دون تأخير. تعيين هيئة مكافحة الفساد وتوفير اللازم كي تقوم بعملها بشكل كامل. فتح الأسواق العامة حيث تكون المنافسة شفافة وحقيقية. وضع روزنامة جلسات عمل بين الحكومة وصندوق النقد الدولي للإسراع بالنقاش، وإعداد الحكومة لمشاريع القوانين الضروري إقرارها وتجاوب البرلمان مع إقرارها.
في المقابل، تفيد معلومات بأن كلام الرئيس الفرنسي بضرورة القيام بـ “عقد اجتماعي” جديد في لبنان لم يكن مجرد تصريح عابر إنما استكمله بطرح تعديل النظام السياسي الحالي.

في السياق ذاته، كشف الصحافي سيمون أبو فاضل، أن ماكرون فاتح عدداً من المسؤولين اللبنانيين بضرورة تعديل صيغة النظام اللبناني القائم على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين واستبداله بـ “المثالثة” بين المسيحيين والسنة والشيعة، مشيراً إلى اعتراض رئيس الجمهورية ميشال عون على طرح تعديل الدستور حالياً، حيث شدّد على أن موقفه المعترض على اتفاق الطائف يصبّ باتجاه تقوية صلاحيات رئيس الجمهورية.

ولفت إلى أن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، اعترض أيضاً على الطرح الفرنسي ورفضه كلياً، وقد فوجئ بأن يأتي من الجانب الفرنسي، الذي لطالما راهن على دعمه للمسيحيين وتقوية دورهم كشريك في التركيبة. وعبّر عن ذلك في عظته التي رفض خلالها المثالثة، موضحاً أن اتفاق الطائف يحظى بغطاء ودعم دوليين. الأمر ذاته انسحب على ممثلي الطائفة السنية ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط الذين أكدوا التمسك بالطائف والمطالبة بتنفيذه كاملاً، في حين لاقى الطرح ترحيب الثنائي الشيعي باعتباره خطوة تحقق التوازن بحسب وصفهم.

وأضاف أبو فاضل أنه “وفق أوساط متابعة للطرح الفرنسي فإن خريطة الطريق تبدأ بتحقيق المثالثة كخطوة لطمأنة الطائفة الشيعية، مقابل تسليم سلاحها إلى الدولة، ويتبع ذلك ترسيم الحدود مع إسرائيل فيما يبقى ملف مزارع شبعا مرتبطاً بملف الجولان”.

لقاءات سرية مع حزب الله

من جهة ثانية، تردّدت أنباء عن لقاء غير معلن جمع بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زار بيروت في أعقاب انفجار مرفأ بيروت بوفد من حزب الله، وهو أمر نفته آنذاك مصادر دبلوماسية فرنسية جملة وتفصيلاً.

إلا أن النائب حسن فضل الله المنتمي إلى كتلة “الوفاء للمقاومة” النيابية التابعة لحزب الله، كشف عن لقاءين جمعاً الحزب بماكرون.

وقال إن “رئيس الكتلة النائب محمد رعد التقى ماكرون مرتين، ونحن لم نكشف سابقاً عن أحدهما”، لكنه لم يكشف عن تاريخ هذين اللقاءين ولا عما دار فيها ولا أين عقدا.

وأضاف تعليقاً على زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة لبيروت “إذا كانت المساعدات مربوطة بالإصلاحات فهو أمر مقبول، لأن الإصلاحات أصلاً هي مطلب لنا”.

في المقابل، لم يصدر أي نفي من الجانب الفرنسي على صحة التصريحات التي أدلى بها النائب حسن فضل الله. وإذا صحت هذه اللقاءات بين ماكرون وقياديين من حزب الله، فتكون هي الأولى من نوعها بين الحزب ورئيس دولة أوروبية، في وقت تتعالى الأصوات في أوروبا لوضع هذا الحزب على لوائح الإرهاب.

تباين أميركي – فرنسي

وفي وقت، يرى البعض أن الدور الفرنسي في لبنان هو تفويض أميركي – دولي لرعاية حلّ للأزمة اللبنانية، بعدما تبيّن أنّ الضغوط الدولية التي مورِسَت على لبنان لتقويض نفوذ “حزب الله” أثبتت عدم جدواها، وأوصَلت البلد إلى حافة الانهيار، يرى آخرون أنّ زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل الأخيرة لبيروت، كانت تعبيراً عن دخول أميركي مباشر على خط الأزمة، بعدما كانت واشنطن تتحرّك من خلال باريس في هذا المضمار.

وفي السياق ذاته، يشير الكاتب السياسي حسن صبرا إلى أن فرنسا تحاول مزاحمة دول عدة مؤثرة في لبنان والمنطقة لاستعادة آخر موطئ قدم لها في الشرق الأوسط، لا سيما أنها تعتبر نفسها الدولة الوحيدة التي تمتلك “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي على الحوض المتوسط.

ويوضح في حديث إلى “اندبندنت عربية”، أن فرنسا تحاول أن تكون الطرف الوحيد المعتدل والقادر على محاورة جميع القوى السياسية اللبنانية ومن خلفهم الدولية والإقليمية، معتبراً أن طرحها الأخير لم يكن موفقاً ولا سيما أنه أظهر تباينات مع الولايات المتحدة.

ولفت صبرا إلى أن التحرك الأميركي الذي قاده ديفيد هيل أتى ليجهض المبادرة الفرنسية القائمة على “المثالثة” والتي لقيت اعتراضاً من قوى سياسية عديدة في لبنان، من خلال تقديمه طرح إستراتيجي يقضي بأن يدعم المجتمع الدولي لبنان وإدارته ويعمل على إصلاحها وتنظيمها وإعمار المناطق المنكوبة كاملة مع تأمين المبالغ التي يحتاجها لبنان من مليارات الدولارات لاقتصاده.

وفي رأي صبرا أن “ذلك سيتم، على قاعدة تطبيق القرار 1559 بحيث يتم إخراج سلاح حزب الله من بيروت وضواحيها وإعطاء دور واسع للجيش اللبناني وتقوية القرار 1701 في الجنوب وقوات اليونيفيل العاملة في تلك المنطقة. ويشرف المجتمع الدولي على رعاية الحكومة لإنجاحها وتسهيل مهمتها وتأمين الدعم لها وللشعب اللبناني”.

احتمالات خطرة

وتشير معلومات متداولة إلى أن الطرح الفرنسي لن يسير بسلاسة، لأنّ واشنطن التي مارست كلّ هذه الضغوط، لن تتراجع في لحظة تعاطف إنساني مع لبنان بسبب كارثة انفجار المرفأ، وأن التراخي مع “حزب الله” في هذا الظرف ستستغله إيران لتتشدّد في مفاوضاتها مع الغرب من ناحية، وسيعطي انطباعاً بغلبة الحزب على الفرقاء في لبنان لا سيما أن موجة مواقف دولية ستتصاعد للمطالبة بالتحقيق الدولي بالانفجار، ما سيزيد من التصعيد ويؤسس انقساماً داخلياً جديداً.

وترى أوساط سياسية قريبة من الدبلوماسية الفرنسية، أن الأزمة اللبنانية وبعد فشل تحييدها الذي سعى إليه الفرنسيون، باتت مفتوحة على احتمالات شتى خطرة ومربوطة من جهة بالمستجدات الشرق أوسطية وعملية السلام التي عادت لتنطلق من البوابة الإماراتية. ومن جهة ثانية بالتطوّرات المرتقبة على خط المحادثات الأميركية الإيرانية، وثالثة بالنزاع الاقتصادي العالمي الجاري على تقاسم النفوذ في المنطقة وثرواتها الطبيعية ومنها لبنان الموعود بآبار غازية وحقول نفطية كبيرة.

عقوبات أميركية

وفي مقابل الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إلى لبنان، تتزامن معها زيارة لمساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر أواخر الشهر الحالي، إذ أشارت مصادر دبلوماسية أميركية إلى أنه سيتم الإعلان عن تقدم كبير في مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وأضافت المصادر أنه يُتوقع أن تسبق زيارة شينكر إلى بيروت صدور حزمة عقوبات على مسؤولين ورجال أعمال لبنانيين، ستعتمد على قانون “ماغنيتسكي” وقانون “مكافحة أنشطة حزب الله”، إضافة إلى قانون “قيصر” بحيث يتوقّع صدور حزمة جديدة من العقوبات خلال سبتمبر (أيلول) تطال لبنانيين للمرة الأولى.

طوني بولس

شاهد أيضاً

«إثنين غضب» اجتاح لبنان والسلطة «إلى الحلّ الأمني دُر»

… كأنه «انقلاب». هكذا بدا أن السلطة في لبنان اختارتْ التعاطي مع «الهبّة» الاعتراضية الواسعة …