مأزق إيران بين الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي وانفجار بيروت

وصل وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت الأسبوع الماضي لدعم لبنان وحزب الله، الميليشيا المدعومة إيرانياً، التي تضطلع بدور قوي في الحكومة. الميليشيا والحكومة، علقا داخل مناخ من ردّ الفعل العام العنيف والشرس، بسبب الانفجار الذي دمّر جزءاً كبيراً من المدينة.

لكن بعد وقت قصير من وصوله، صُدم محمد جواد ظريف، بإهانة جديدة لإيران: اتفاق بين عدوين إقليميين أساسيين لطهران، إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، على البدء بعلاقات دبلوماسية رسمية.

هذان التطوّران أُضيفا إلى شهر قاسٍ لحكومة إيران عقب سنتين صعبتين جداً.

فالاقتصاد الإيراني على حافة الانهيار بسبب حملة العقوبات الاقتصادية التي تشنّها إدارة ترامب على إيران منذ سنتين. واكتفى الجيش الإيراني بردّ رمزي فقط على سلسلة من الضربات الإسرائيلية على مواقعها في سوريا الحليفة، أو على اغتيال قائد إيراني رفيع المستوى (سليماني) الشتاء الماضي في العراق.

كما حاولت السلطات الإيرانية التعمية على إسقاط طائرة ركاب مدنية بدفاعاتها الجوية. والآن يعاني النظام الصحّي لإيران وهو يصارع لاحتواء وباء كوفيد – 19 المتجدّد فيها، والذي قد يكون من بين الأسوأ في العالم.

خلال زيارته لبيروت، لم يكن بمقدور السيّد ظريف فعل الكثير سوى تهديد الدول الأخرى وتحذيرها كي لا تحاول توسيع نفوذها في لبنان في خضمّ الفوضى فيه. وادّعى أن الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل مجرّد “مسرحية” أميركية.

لكن بعد انفجار 4 آب الذي قتل 175 فرداً في الأقل وجرح أكثر من ستة آلاف في بيروت، وبعد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، “يكاد لا يكون بمستطاعك كتابة سيناريو هو أسوأ لإيران”، كما يستنتج إيان بيرمير، رئيس مجموعة أوراسيا، وهي مجموعة استشارية في المخاطر السياسية.

يوم السبت، رأى بعض السياسيين الإيرانيين البارزين الذين يدعمون النظام أنّ الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل – المنبثق من العداوة المتبادلة مع إيران – قد يشير إلى تحوّل حاسم ضدّ طهران في معركة كسب الرأي العام في أرجاء المنطقة.

“بنظر الشارع العربي، إيران الآن هي العدو”، على حدّ تعبير محمد علي أبطحي، وهو نائب سابق لرئيس الجمهورية السابق (محمد خاتمي)، ويصرّح أحياناً معارضاً الحكومة. “أصبحنا في وضع حيث ينحاز جيراننا من البلدان العربية إلى إسرائيل لمواجهة إيران”.

قبل عقد من الزمان فقط، كانت التصريحات النارية لكبار القادة الإيرانيين ضدّ إسرائيل وواشنطن، تستحوذ على إعجاب الحشود في العواصم العربية في أنحاء المنطقة.

لكنّ هذا كان قبل أن تتدخّل إيران، وتقدّم العون لسحق انتفاضة الربيع العربي في سوريا، وقبل أن تتصاعد التوترات الطائفية التي أثارتها العداوة السياسية بين إيران ذات الغالبية الشيعية وجيرانها من الأغلبية السنية، وقبل موجة تظاهرات العراقيين واللبنانيين اعتراضاً على تدخّل إيران في شوؤنهم المحلّية.

وكان هذا أيضاً، قبل أن تبدأ العقوبات المؤلمة لإدارة ترامب في تجفيف كرم إيران نحو عملائها الإقليميين.

“لقد أخفنا العرب، ودفعناهم إلى ذراعي إسرائيل”، بحسب علي مطهري، وهو سياسي إيراني محافظ، يدعم الحكومة، وذلك في تغريدة له يوم السبت.

من ناحية أخرى، فإنّ الاتفاق على بدء العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإسرائيل هو مجرّد اعتراف علني بما كان سرّاً مكشوفاً: كانت قوات البلدين كما أجهزة الاستخبارات في كلا البلدين تتعاون على نحوٍ وثيق لسنوات ضدّ إيران.

وقال المسؤولون الإماراتيون إنه بمقابل الاعتراف العلني بإسرائيل، وافقت إسرائيل بالمقابل،على التراجع عن تعهّدها بالضمّ الرسمي لأراضٍ فلسطينية في الضفة الغربية. لكنّ يشير المنتقدون لهذا الاتفاق إلى أنّ قادة إسرائيل تراجعوا مؤقتاً فقط، ولديهم أسبابهم الخاصة.

لم يعترف بإسرائيل قبل الإمارات إلا دولتان عربيتان فقط، وهما مصر والأردن. والاثنتان بعيدتان عن إيران. وما دفعهما إلى الاعتراف بإسرائيل، هو أمن حدودهما (كما نزولاً عند حسن نيّة واشنطن).

بالعكس من ذلك، فإنّ الإمارات هي الدولة الوحيدة التي عقدت هذا الاتفاق، من بين دول الخليج المجاورة لإيران، وهي الدولة الأولى التي تقوم بذلك على قاعدة العداء لإيران في المقام الأول.

ويتوقّع محلّلون عرب وغربيون بأن تلحق بالإمارات قريباً ممالك خليجية أخرى، حيث تبدو البحرين وعُمان في مقدمّة المرشّحين لذلك. وكانت عُمان قد جعلت نفسها وسيطاً محايداً نسبياً بين إيران وأعدائها العرب، وأثارت تكهّنات قبل أقلّ من عامين، حين استضافت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وسارع محلّلون إيرانيون فور الإعلان عن الاتفاق إلى إبداء مخاوفهم من أنّ الدخول الإسرائيلي المتزايد إلى دبي بوصفها المركز التجاري للإمارات، قد يمنح إسرائيل ميزات خاصة في سياق محاولاتها التجسّس على إيران. إنّ قادة الإمارات ينتقدون بشدّة حكّام إيران، لكن كثيراً من الإيرانيين يديرون أعمالهم في دبي أو يمضون الوقت فيها (إذ يبدو أنّ دبي حصلت على استثناء فعلي من العقوبات الأميركية).

وفي المحصّلة، قد تصبح دبي الآن المكان الأول منذ عقود، والذي يختلط فيه إيرانيون وإسرائيليون كثر.

لقد حذّر الرئيس الإيراني حسن روحاني الإماراتيين من مغبّة كسب إسرائبل “موطئ قدم في المنطقة”.

“حذار، وإلا فسنتعامل معهم بطريقة مختلفة”، قال ذلك خلال خطاب يوم السبت.

وحتى الآن، لم تخرج أيّ إشارة من المسؤولين الإيرانيين تفيد بأنهم يستعدّون لمعاقبة الإمارات، أو المخاطرة بقطع العلاقات التجارية أو الدبلوماسية معها. فبالنظر إلى الروابط الاقتصادية القديمة مع الإمارات، وإلى ضعف الاقتصاد الإيراني، يعتبر بعض المحلّلين أنه ليس أمام إيران خيارات كثيرة.

لكنّ كثيراً آخرين يعتقدون أنّ الأثر الكامل للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي في إيران سيصبح أكثر اتضاحاً مع الوقت.

“هل ستصبح الإمارات مؤيدة على نحوٍ أكثر علانية للغارات الإسرائيلية على المنشآت الإيرانية في سوريا، أو للجهود الإسرائيلية الهادفة لتقويض حزب الله؟”، تسأل سنام وكيل، الباحثة في تشاتام هاوس، في لندن. “هل ستدافع إسرائيل عن الإمارات في مواجهة اعتداء إيراني؟ كلّ هذه الأسئلة تبدو حقاً غامضة الآن”.

مع ذلك، إنّ خطر إعادة ترتيب المنطقة، سيعقّد فقط جهود إيران لتعزيز نفوذها من خلال حزب الله الشيعي في لبنان، وهو بلد يصفه غالباً المسؤولون الإيرانيون بـ “حدودنا الجنوبية” أو “حدودنا مع إسرائيل”. “أمن لبنان هو أمننا” هذا ما قاله ظريف للصحافيين اللبنانيين خلال زيارته للبنان هذا الأسبوع.

لكن إذا كان حزب الله المزوّد بالإسلحة الإيرانية، قد زوّد طهران بأفضلية ضمنية ضدّ إسرائيل، فإنّ الأزمة الداخلية في لبنان قد استهلكت الآن وعلى نحوٍ كامل ديناميات هذه الحركة، وكبتت تهديداً من هذا النوع.

“إيران وحزب الله محشوران جداً نتيجة الانفجار” على حدّ تعبير السيّدة وكيل الباحثة في تشاتام هاوس. “ليس بمقدور إيران الآن الاعتماد على حزب الله لرشق إسرائيل بأيٍّ من قذائفها وصواريخها. لا يوجد مطلقاً أيّ رغبة أو دعم لعمل مغامر من هذا النوع”.

بعد حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل في لبنان، سارعت إيران لتقديم التبرّعات إلى رجال الأعمال والأفراد اللبنانيين من أجل إعادة التعمير، وزيادة نفوذها. لكن عقب الانفجار الأسبوع الماضي، كانت الرعاية الإيرانية أكثر ضآلة.

لقد أعلن الهلال الأحمر الإيراني أنه سلّم 95 طنّاً من المساعدات الغذائية والطبية، رفقة فريق طبي من 37 فرداً لافتتاح مستشفى ميداني. (في الأسبوع الماضي، أعلنت بلدية ذات علاقة بحزب الله إنها سترسل فرق الدعم لمحاولة تنظيف الحيّ ذي الأغلبية المسيحية الذي تعرّض للدمار، لكن السكّن الغاضبين أجهضوا المشروع).

إنّ تهديد ظريف للدول الأخرى كي لا تحاول توسيع نفوذها في لبنان وسط الاضطراب، كان إشارة ضمنية إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث كانت بلاده تستعمر لبنان وتحكمه. كان ماكرون قد حطّ في بيروت لقيادة الجهود الدولية لتمويل إعادة التعمير، مضطلعاً بدور خيري كانت تقوم إيران به في السابق.

وإلى ذلك، حثّ ماكرون على تأليف حكومة تكنوقراطية جديدة، قد يكون من آثارها الجانبية تقليص نفوذ إيران ووكيلها، حزب الله.

المعلّقون الإيرانيون الغاضبون وبّخوا ماكرون بسبب هيمنته على المشهد، متهمين إياه بتجاهل استقلال لبنان عن فرنسا. لكن زعيم حزب الله، حسن نصر الله، خالف وجهة النظر الإيرانية، وأرسل ممثّليه للقاء ماكرون، ورحّب علناً بالمساعدة التي قدّمها.

المحلّل السياسي في طهران، صادق زيباكلام، وهو ناقد علني لسياسات الحكومة، رأى متوازيات عدة في زيارة ماكرون إلى لبنان، وعجز إيران عن كبح الغارات الإسرائيلية ضدّ مواقعها في سوريا، واختيار رئيس حكومة مدعوم من الأميركيين في العراق المجاور لها.

لقد سكبت إيران الموارد على الميليشيات والأحزاب الحليفة لها في كلّ البلدان الثلاثة، كما يلاحظ صادق، كجزء مما يدعوه المسؤولون الإيرانيون “مقاومة” الولايات المتحدة وإسرائيل.

الآن، تُظهر النكسات في لبنان وفي سوريا وفي العراق، كما يستدلّ صادق، “نتائج استثمار مليارات الدولارات في استراتيجية المقاومة”.

هشام عليوان – أساس ميديا

شاهد أيضاً

بين التمديد لـ”الكورونا” والتمديد لمجلس النواب

هل هناك أسباب مخفيّة لمسألة التباطؤ في حملة التلقيح ضدّ فيروس الكورونا؟ وهل لهذه العملية …