«حيادية» الراعي تنطلق من الدستور وترفض «ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة»

عاد الرجل الثالث في وزارة الخارجية الأميركية ديفيد هيل من زيارته إلى لبنان، وفي جعبته عدد من الرسائل والتوصيات من مسؤولين لبنانيين إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، أبرزها الرسالة التي حمّله إياها البطريرك الماروني بشارة الراعي، والتي شددت على تمسك الكنيسة بعودة لبنان
إلى سياسته التقليدية القاضية بالحياد في المواضيع والشؤون الإقليمية والدولية.
وسمعت «الراي» من مصادر أميركية، أن الراعي ناشد هيل أن «لا تتخلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عن لبنان، أو أن تعتبره من حصة قوى إقليمية منافسة للولايات المتحدة وحلفائها». كما طلب المساعدة الأميركية في عدد من الشؤون المالية والتقنية، مثل مساعدة لبنان في فرض سيادته على حدوده وعبر معابره.
ويردد المسؤولون الأميركيون أن انفلات حدود الدول التي تنشط فيها الميليشيات الموالية لإيران، تحوّل إلى مشكلة تحتاج إلى معالجة واسعة، وربما إلى إشراك المجتمع الدولي فيها.
وكان رئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي، الذي يزور العاصمة الأميركية ويلتقي الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض غداً، عمد إلى نشر قوات نخبة حكومية على المعابر الحدودية للحد من التهريب من العراق وإليه، خصوصاً المواد الممنوعة مثل الأسلحة أو المواد الاستهلاكية والمحاصيل التي تدخل خلسة من دون تعرفات جمركية وتزاحم الإنتاج العراقي.
على أن القوى المتضررة من قرار الكاظمي عمدت حتى الآن إلى شن هجمات ضد معابر حدودية، سقط جراء بعضها ضحايا في صفوف القوات الأمنية.
مثل الكاظمي، يسعى الراعي إلى محاولة الحصول على دعم دولي لضبط المعابر اللبنانية، الشرعية منها وغير الشرعية. وكان انفجار كبير وقع في مواد مخزنة في مرفأ بيروت، أكد للراعي، كما للمسؤولين الدوليين، ضرورة ضبط المعابر تفادياً لعبور أي ممنوعات أو مواد قابلة للانفجار وإيقاع خسائر بشرية ومادية مثل ما حصل في بيروت.
وتقول المصادر أن هيل أكد للراعي أن الولايات المتحدة متمسكة بدعم لبنان على توطيد سيادته، وأن واشنطن تتبرع بمبلغ مئة مليون سنوياً للجيش، وأنها تسعى لدى عواصم العالم لتوسيع مهمة قوات «اليونيفيل»، التي ينتشر أكثر من عشرة آلاف من عديدها بين نهر الليطاني والحدود مع إسرائيل، لتشمل مراقبة حدود لبنان البرية بأكملها.
ومن المتوقع أن يصوّت مجلس الأمن على تمديد مهمة «اليونيفيل» لمدة سنة في 27 أغسطس الجاري، في وقت يبدو أن الإدارة الأميركية تسعى لمواجهة مع الأعضاء الآخرين حول بعض التعديلات في عمل القوات الدولية.
وتقوم واشنطن بتمويل «اليونيفيل» بواقع نصف مليار دولار سنوياً، فيما تعترض الولايات المتحدة على أدائها، وتعتبر أنها لا تقوم بتنفيذ المطلوب منها لناحية تفتيش المواقع التي يشتبه في أن «حزب الله» يقوم بتخزين عتاد وأسلحة فيها.
وتشير تقارير القوات الأممية الى أن «اليونيفيل» طلبت من الجيش اللبناني تفتيش عدد من المواقع، إلا أنه تجاهل هذه الطلبات، بحجة أن المواقع المطلوب تفتيشها خاصة تعود إلى «الأهالي» ممن يسكنون البلدات الجنوبية.
ووعد هيل، الراعي بـ «القيام بما يلزم» لمساعدة لبنان في الالتزام بتعهداته الدولية، منها قرار مجلس الأمن الرقم 1701، الذي أدى لإنهاء الحرب مع إسرائيل في أغسطس 2006.
في سياق متصل، كانت الحكومة الفرنسية وعدت بإعادة بناء وتأهيل مرفأ بيروت، على إثر الانفجار الكبير الذي قضى على معظم مبانيه وأرصفته. وفي حال قام الفرنسيون بالمهمة، من المتوقع أن يكون المرفأ الجديد مجهزاً بأحدث معدات المراقبة التي تديرها أجهزة أمنية لبنانية، لمنع أي عمليات تهريب أو تخزين لمواد خطرة أو محظورة.
كما وعد هيل، الراعي بأن تسعى واشنطن لدى الحلفاء لإقناعهم بضرورة دعم لبنان في استعادة «سياسة الحياد» التي يرغب البطريرك الماروني في رؤية لبنان يعود إليها.
وكان الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله أشار في آخر خطاباته الى أن «تأليف حكومة حيادية هو إضاعة للوقت»، إذ لا توجد أطراف حيادية في لبنان.
وأبدت المصادر استغرابها من تصريح نصرالله، إذ ترى أنه إما لم يفهم اقتراح الراعي، وإما أنه عمد إلى التظاهر وكأنه لم يفهمه.
وتتابع أن اقتراح الراعي القاضي بالحياد لا يعني «حكومة حيادية»، بل أنه بغض النظر عن شكل الحكومة المقبلة، من المطلوب أن يكون بيانها الوزاري الذي تقدمه إلى مجلس النواب، لنيل الثقة، مبنياً على سياسة «حياد لبنان»، بدلاً من بيانات الحكومات المتعاقبة، والتي ابتكرت الصيغة المعروفة بـ «ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة».
ويقول متابعو الشأن اللبناني في العاصمة الأميركية، أن الراعي عمد إلى تفصيل معنى «حياد لبنان» وإلى تقديم الآراء الدستورية خلفه. وأظهر أن الحياد هو في أساس الدستور الذي قام عليه لبنان بعد استقلاله في 1943، فيما الانحياز الذي يعيشه على مدى السنوات الأخيرة، بانخراطه في «محور إيران» المعروف بمحور «الممانعة» أو «المقاومة»، فهو يخالف الدستور.
ويعتقد الخبراء أن الدستور يسمو على البيان الوزاري لأي حكومة، ولا يمكن أن يخالفه، وأنه كان على اللبنانيين أن يتقدموا بطعون أمام المجلس الدستوري ضد «الثلاثية» التي فرضها «حزب الله» على الحكومات المتعاقبة وبياناتها الوزارية.
أما سبب تمسك الحزب بـ «الثلاثية» المذكورة، فيعود إلى محاولته تشريع تسمية «مقاومة» وإسباغها على نفسه، بدلاً من كلمة ميليشيا، التي تفرض حلّ قوة الحزب العسكرية بموجب قراري مجلس الأمن 1559 و1701.

حسين عبد الحسين-موقع الراي