بين وصيّة غورو 1920 ووصيّة ماكرون 2020: هل هذا هو لبنان الكبير الذي حلُم به الأجداد؟


يومان فقط يفصلان اللبنانيين عن ذكرى إعلان مئوية لبنان الكبير في أول ايلول/سبتمبر 1920 فهل هذا هو لبنان الكبير الذي حلُم به آباؤنا وأجدادنا ووضع البطريرك الماروني الياس الحويّك كل ثقله التاريخي وإرث الكنيسة لنشأته؟ وأين اللبنانيون اليوم من هذه الذكرى التي بدلاً من أن تشهد احتفالات بالاعتراف الدولي الثمين بالكيان اللبناني وبازدهاره ووحدته الوطنية، تكبر المخاوف عليه من فكرة نسف هذه الصيغة اللبنانية ومن انهيار لبنان الكبير بعد 100 سنة على نشوئه بحدوده الحالية.

وكان جبل لبنان شكّل الركيزة الأساس التي قامت عليها دولة لبنان الكبير، فكان القلب الذي أعاد جمع الجسم بكامله، بعدما استعاد المناطق المسلوخة عنه. وفيما كان البعض يأمل أن يكمّل لبنان لمئة سنة أخرى وأكثر وأن يكون بلد الاشعاع والحريات وتفاعل الحضارات والابتكار والتنوّع وأرض السلام، إذ به يصطدم باستيراد مشاريع حروب وصراعات محاور لا تشبه تكوين لبنان الذي قام على فكرة “لا شرق ولا غرب” عندما توحّدت الأرادتان المسيحية والإسلامية، فامتنعت الأولى عن التغريب والثانية عن التعريب فكان لبنان الكبير.

فقصة لبنان الكبير نشأت على أساس حضور مسيحي إسلامي متوازن، وقصة الميثاق الوطني الذي اتفق عليه الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح عام 1943 قامت على أساس لبنان جمهورية مستقلة استقلالاً كاملاً، ولبنان ذو وجه عربي ولسان عربي وجزء من العالم العربي، لا يقطع علاقاته الثقافية والحضارية التي أقامها مع الغرب، وعليه أن يحفظ التوازن مع الجميع وأن لا يميل إلى فريق. وشرح الرئيس بشارة الخوري بنفسه في كتابه “حقائق لبنانية” موضوع الميثاق الوطني بقوله “ليس سوى اتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على انصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة: استقلال لبنان الناجز دون الالتجاء إلى حماية من الغرب ولا إلى وحدة أو اتحاد مع الشرق”.

وإذا كان المشروع اللبناني تجاوز كل محاولات تجويفه وتخريبه، وإذا كان المسيحيون وتحديداً الموارنة تجاوزوا اشكالية العروبة التي حفظوا لغتها وكان من بينهم رجالات من روّادها، وأقرّوا في اتفاق الطائف أن لبنان بلد عربي وليس ذو وجه عربي، إلا أنهم لن يتجاوزوا الآن اشكالية برزت مع فريق كبير من الطائفة الشيعية منذ سنوات يوالون الجمهورية الإسلامية الإيرانية ويؤمنون بمشروع إلحاقي ويجرّون وطنهم بفعل السلاح غير الشرعي إلى الحروب والصراعات ويحاولون ترسيخ ثقافة مختلفة وذهنية غريبة عن المجتمع اللبناني، وهذا ما دفع بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى رفع الصوت والدعوة إلى فكّ الحصار عن الشرعية وتطبيق القرارات الدولية وإعلان الحياد.

فالمسيحيون اللبنانيون الذين لم يشكّكوا بالعروبة كفكرة حضارية كانت لديهم قبل عقود نقزة من مشاريع الوحدة العربية ببعدها الإسلامي، وهذه النقزة ذاتها تبرز اليوم بفعل استقواء حزب الله بسلاحه وهيمنته على الدولة اللبنانية المكوّنات الطائفية والمذهبية إلى درجة تهدّد الكيان برمّته.

وكما كانت مشكلة المسيحيين مع النظام السوري الذي حوّل قواته في لبنان من قوة ردع عربية إلى قوة سورية لفرض الوصاية والهيمنة وراح يتدخّل في الشؤون اللبنانية الداخلية ويغتال القيادات، كذلك هي مشكلتهم مع حزب الله الذي تحوّل من مقاومة ضد العدو الإسرائيلي إلى قوة عسكرية تمارس الهيمنة على كل مَن في الداخل، وتفرض أجنداتها ويُشتبه بوقوفها وراء اغتيالات طالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقيادات 14 آذار/مارس، وأمعنت في الحروب في عدد من الدول وفي محاولة فصل لبنان عن محيطه العربي وإلحاقه بطهران. وكل هذا لا يتفق مع شغف المسيحيين وتعلّقهم بلبنان سيّداً حرّاً مستقلاً.

ويعتقد المسيحيون أنهم ليسوا وحدهم في هذه المعركة بل يشعرون بوجود التفاف سنّي ودرزي حول طرح البطريرك الراعي من الحياد، وأثّرت فيهم مبادرة العديد من الدول العربية التي هبّت للوقوف إلى جانب بيروت بعد الزلزال الذي ضربها نتيجة انفجار غامض في أسبابه ومدى ارتباطه بوجود وقود صواريخ في العنبر رقم 12 في المرفأ تخّص حزب الله، تسبّبت بهذا الانفجار الضخم بعد تفاعلها مع مواد “نترات الأمونيوم”.

واللافت أنه بدل أن يتواضع حزب الله وعدد من القيادات الشيعية السياسية والدينية ويتعلّموا من تجارب المارونية السياسية أو السنّية السياسية ويقبلوا العيش ضمن الحدود اللبنانية بمساواة مع سائر الفئات اللبنانية، تراهم يغالون في المكابرة وعرض العضلات والتهويل بالعددية وضرب المناصفة المسيحية الإسلامية وتخوين كل من لا يماشيهم في طروحاتهم، بدليل حملة التخوين والاتهامات بالعمالة التي طالت حتى بطريرك الموارنة لأنه خرج ونادي بالحياد وبرفض وجود مخازن أسلحة وذخائر في الأحياء السكنية لعدم تكرار تجربة الانفجار في مرفأ بيروت.

وصار مستغرباً كيف أن المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان الذي يُفترض به أن يكون داعية حوار وسلام، يتولّى بنفسه الانقلاب على صيغة الطائف تحت حجة رفض “مزرعة الطوائف ونظام المحاصصة” لا لشيء بحسب أوساط مسيحية إلا لفرض منطق الغلبة العددية على كل لبنان من خلال المناداة بفرض قانون انتخاب على اساس لبنان دائرة انتخابية واحدة تلغي وجود الأقلّيات، وتضرب المناصفة التي أكد عليها اتفاق الطائف برعاية عربية مع وقف العدّ الذي أكد عليه مراراً الرئيس رفيق الحريري، وتمهّد لالحاق لبنان بمحور الممانعة.

في خطابه في الأول من ايلول/سبتمبر عام 1920 ذكرى إعلان لبنان الكبير من قصر الصنوبر، كانت وصيّة الجنرال غورو “ان لبنان الكبير تألف لفائدة الجميع ولم يؤلّف ليكون ضد أحد”. وأوصى اللبنانيين بـ”الاتحاد الذي هو مصدر قوتهم” محذّراً من “الخصومات العرقية والمذهبية” وذكّر بوقوف فرنسا بشكل دائم إلى جانب لبنان. ولعلّ وصية غورو ما زالت صالحة وتنطبق على واقع لبنان الحالي بعد 100 سنة، وها هو الرئيس الفرنسي في الأول من ايلول/سبتمبر 2020 إلى جانب لبنان والشعب اللبناني وليس إلى جانب السياسيين الفاسدين. وستتميّز زيارته بغرس أرزة في غابة أرز جاج وبلقاء البطريرك الراعي الذي يمثّل “الحلقة التي لا تنكسر” في سلسلة البطاركة الموارنة منذ 1600 سنة والذي أطلق منذ تنصيبه شعار “شركة ومحبة” والمقصود به باللغة الفرنسية “Communion et Amour” بين المسيحية والإسلام. هذا هو لبنان الذي يحلم به البطريرك كبلد حريات وتنوّع وتفاعل للحضارات على أمل ألا يكون إنتهاء المئوية الأولى مناسبة لدفن لبنان الكبير بسبب الصراع المستمر على الهوية والانتماء والوطنية.

 

سعد الياس-القدس العربي

شاهد أيضاً

“لا تسكتوا”… رسالةٌ واضحةٌ من الراعي إلى الحزب

لاقى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الوفود التي توجهت إلى الصرح البطريركي في بكركي، …