بيروت المنكوبة تنام في العراء

بيروت المنكوبة تنام في العراء… ومطالبة بتحقيق دولي في «التفجير الهيروشيميّ»

لم يكن أدلّ على الأبعاد المُزلْزِلة لـ«التفجير الهيروشيميّ» في العاصمة اللبنانية، من المفارقة التراجيدية التي شكّلها انفجار عنوان «العدالة لبيروت والحقيقة في جريمة اغتيالها» التي وقعت في 4 اغسطس، وذلك عشية الموعد الذي كان مقرَّراً لضرْب العدالة الدولية بيدها في جريمة اغتيال «باني ستّ الدينا» (بعد حرب 1975 – 1990) الرئيس رفيق الحريري.

ولم يكن عابراً أن يتمّ وضْع «ذبْح» بيروت وتدمير قلبها بانفجار الـ 2750 طناً من نيترات الأمونيوم على «الفالق الزلزالي» نفسه الذي شُطب معه الحريري في 14 فبراير 2005 في تفجير الـ 2.5 طن (من المواد الشديدة الانفجار) الذي كان من المقرر أن يُنطَق بالحُكم فيه يوم غد من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بحق أربعة مُتَّهَمين من «حزب الله» قبل ان تعلن الأخيرة إرجاءه حتى 18 الجاري تضامناً مع ضحايا كارثة 4 اغسطس واحتراماً للحداد الوطني.
وما جَعَلَ هذا الربط يكتسب دلالة فائقة الأهمية أنه جاء في الشكل على لسان كتلة «المستقبل» التي يترأسها «ولي الدم» الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، كما حَمَل مضمونُه دعوةً متقدّمة لتحقيق دولي لإظهار الحقيقة وإحقاق العدالة في جريمة 4 أغسطس 2020، في استحضارٍ بالغ الرمزية للشعار الشهير الذي رُفع غداة اغتيال الحريري الأب وأفضى الى تشكيل لجنة تحقيق دولية ومن ثم إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان بموجب قرار صدر عن مجلس الأمن (1757) بموجب الفصل السابع.
وكان لافتاً في موازاة التبني السريع من رؤساء الحكومة السابقين لمطلب «المستقبل» (عبر الدعوة للجنة تحقيق عربية او دولية)، ملاقاةُ باريس هذا المناخ عبر إبدائها بلسان وزير الخارجية جان ايف – لودريان الاستعدادَ لمساعدة لبنان في التحقيق بهذا التفجير المروّع، وذلك عشية الزيارة العاجلة التي يقوم بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لبيروت حاملاً رزمة مساعدات طبية وإنسانية والتي تعكس حراجة الوضع في «بلاد الأرز» بعد «بيروتشيما» الذي وُصف بأنه قد يكون ثاني أقوى تفجير بعد قنبلة هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية.
كما فتح تحقيق، أمس، من جانب نيابة باريس في التسبب بـ»جروح غير متعمدة». وذكرت في بيان إن «احصاء أوليا سمح بتحديد هويات 21 شخصا فرنسيي الجنسية اصيبوا في الانفجار».
ولم يكن ممكناً تَلَمُّس المدى الذي ستتخذه المطالبة بتدويل التحقيق في تفجير بيروت وذلك عشية اجتماعٍ طارئ لمجلس الأمن الاثنين، بطلب من المجموعة العربية لمناقشة تداعيات الانفجار.
واستوقف أوساطاً واسعة الاطلاع ملامح السباق الذي ارتسم بين مسار التدويل وبين إطلاق حكومة الرئيس حسان دياب، التحقيق المحلي في هذه القضية من زاوية المسؤولية عن تخزين نحو 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم في أحد عنابر مرفأ بيروت منذ نحو سبعة أعوام، وسط تَسابُقٍ على كشْف مراسلاتٍ من قادةِ أجهزةٍ ومسؤولين في المرفأ إلى القضاء وحتى إلى السلطة الحالية حول المخاطر الشديدة للتلكؤ عن التخلص من هذه «القنبلة الموقوتة» التي سُرّب أنها صودرت من سفينة مولدوڤية آتية من جورجيا وكانت في طريقها إلى موزمبيق حين مرّت في المياه اللبنانية حيث تعرّضت لعطل وانكشفت حمولتها وتبرأ منها مالكوها فاحتُجزت في لبنان.
علماً أن أي تقرير رسمي لم يصدر عن السلطات في بيروت حول ملابسات الشرارة التي فجّرت «البركان» الذي دمّر المرفأ الحيوي الأكبر في البلاد وحوّل مناطق عدة في محيطه وبينها قلب العاصمة إلى طوفان من الخراب والموت، رغم الإيحاءات من مصادر أمنية بأن عود الثقاب شكلتْه عملية «تلحيم» كانت تجري لفجوة وبوابة حديد في العنبر حيث تُحفظ «الميني قنبلة نووية»، وهو ما نفاه مسؤول في المرفأ أكد أن هذه العملية كانت انتهت ظهراً ليبقى الغبار الكثيف حول كيفية اندلاع الحريق، الذي قال مسؤولون حكوميون إنه تَسبّب بانفجار مفرقعات كانت على تماس مع نيترات الامونيوم ما أدى إلى الحَدَث – النكبة.
ولم تتوانَ الأوساطُ عن التعاطي مع مقرّرات مجلس الوزراء أمس الذي انعقد في جلسة استثنائية برئاسة الرئيس ميشال عون على أنها انطوت على محاولة ضمنية لإحداث «توازن» مع الدعوات المبكرة لتحقيقٍ دولي والتي يُنتظر أن تتحول «كرة ثلج» داخلية تتبناها المعارضة التي شكّكت في الروايات المسرَّبة عن ملابسات الانفجار وصولاً إلى تقديم النائب مروان حماده استقالته من البرلمان تحت هذا العنوان، متوقّفة في هذا الإطار، خصوصاً عند كسْر الحكومة «تَهَيُّبها» من حال الطوارئ التي أعلنتْها صراحةً أمس «في مدينة بيروت لمدة أسبوعين قابلة للتجديد على أن تتولى فوراً السلطة العسكرية العليا صلاحية المحافظة على الأمن وتوضع تحت تصرفها جميع القوى المسلحة فتقوم هذه القوى بواجباتها الأساسية وفق قوانينها الخاصة وتحت إمرة القيادة العسكرية العليا»، وصولاً إلى قرار «تشكيل لجنة تحقيق إدارية برئاسة دياب في أسباب وقوع الكارثة ورفع تقرير إلى مجلس الوزراء خلال مهلة أقصاها خمسة أيام (…) وفي ضوء حال الطوارئ المعلنة وقانون الدفاع الوطني وغيرها من القوانين، يطلب من السلطة العسكرية العليا فرض الإقامة الجبرية على كل مَن أدار شؤون تخزين نيترات الأمونيوم وحراستها ومحّص ملفها أياً كان منذ يونيو 2014 حتى تاريخ الانفجار». ورغم أن وزراء حرصوا على تظهير أن موضوع الإقامة الجبرية لا ينطوي على قرارٍ مُتَّخذ بالحجر على رؤساء حكومة سابقين بينهم الحريري ووزراء سابقين، فإن هذا المسار يشي بأن يتداخل مع المناخات السياسية المأزومة والتي زادها التفجير توهُّجاً وهو ما عبّر عنه بيان كتلة «المستقبل» العالي النبرة الذي اعتبر «ان الإعصار ضرب بيوتنا وأهلنا ومحلاتنا ومرافقنا، ولن يكون هناك شيء في الدنيا يمكن أن يغطي على الجريمة المروعة والمسؤولين عن ارتكابها»، لافتاً إلى «اننا لن يكتفي بالنحيب على أطلال بيروت، ونعتبر الكارثة التي حلت بحجم حرب تدميرية أين منها كل الحروب الأهلية والحروب الإسرائيلية على لبنان».
ولم يحجب هذا «التسخين» الأنظار عن السيناريوهات المتضاربة حول «الصندوق الأسود» للانفجار الذي ما زالت حصيلته الدموية ترتفع إلى أكثر من 115 قتيلاً ونحو 5 آلاف جريح وعشرات المفقودين، وسط عدم استبعاد بعض الخبراء أن يكون الأمر نجم عن ضربةٍ اسرائيليةٍ لأحد مَخازن «حزب الله» لا مصلحةَ لأيّ من الطرفين بالاعتراف بها، في مقابل كلامِ آخَرين عن احتمال الحادث المدبّر لإبعاد الأنظار عن حُكْم الحريري وتداعياته المحلية والدولية.
وكان بارزاً الحضور الأميركي – الإيراني في «مسرح التفجير»، أولاً عبر كلام الرئيس دونالد ترامب عن «ان انفجار بيروت ناجم عن قنبلة من نوع ما»، ثم إعلان «وكالة مهر للأنباء» الإيرانية انتشار صور رادارية عقب تفجير مرفأ بيروت، تُظْهِر «أربعة طائرات تجسس تابعة للبحرية الأميركية قرابة الساحل اللبناني – السوري ما يزيد احتمالية ضلوع أميركا في التفجيرات الأخيرة التي هزت العاصمة اللبنانية».
وفي موازاة الصخب الداخلي والدولي على تخوم التفجير الهائل، تنام بيروت في العراء لليوم الثاني وفي أحضان دمار شامل رسم صورته السوداء محافظ العاصمة مروان عبود الذي أعلن أن ما «بين 250 و300 ألف شخص باتوا من دون منازل، لأن منازلهم أصبحت غير صالحة للسكن»، مقدراً الأضرار بما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار، ومؤكداً «نحو نصف بيروت تضرر أو تدمر. إنه وضع كارثي لم تشهده بيروت في تاريخها».
علماً أن فيديوهات وصوراً جرى تداوُلها لأحياء «اختفت» في العاصمة كما أسواقها الشهيرة وأيضاً لفداحة الأضرار التي وقعت في المرفأ الذي تبخّرت منطقة بأكملها في حرمه حيث وقع الانفجار، وظهرت مكانها حفرة كبيرة غمرتها مياه البحر.

شاهد أيضاً

مصدر عسكري: أبلغنا المسؤولين بدقة الوضع… وتأليف الحكومة يريحنا

لم يتوقف الجيش اللبناني كثيراً عند بعض الدعوات التي صدرت تطالبه بتسلّم زمام الأمور للخروج …