المعادلة التي تحكم لبنان: مافيا وميليشيا (ميم – ميم)

يجهد اللبنانيون على الدوام في البحث عن نظريّات مُختصرة تساعدهم على فهم واقعهم المُعقّد. قيل لهم بعد اتّفاق الطائف، انّ عنوان المرحلة هو التوازن “العبقري” بين نموذجي هونغ كونغ المُتمثّل بإعادة الإعمار، وهانوي المُتمثّل بالمواجهة العسكرية مع إسرائيل (ه-ه). عند تحوّل حكم ما بعد الحرب تدريجياً الى احتلال سوري مُكتمل الأوصاف، يدير شقّه السياسي ضابط مخابرات من قرية في بقاع لبنان، وصفه مُريدوه بثلاثيّة “الضروري والشرعي والموقّت”، المؤتمن على “وحدة المسار والمصير”. انسحب الجيش السوري في العام 2005، تاركاً وراءه مخلّفاته الإستراتيجيّة المُتمثّلة بـ”حزب الله”. بعد سنوات الإغتيالات واجتياح بيروت في أيار 2008، اجتمع الملك عبد الله والرئيس الأسد في قصر بعبدا، في محاولة لترميم التوازن الأساسي للطائف، فكانت معادلة سين – سين التي وُلدت ميتة وانتهت بإسقاط حكومة الحريري. رسّخ “حزب الله” منذ تلك اللحظة إمساكه الاستراتيجي بالمعادلة اللبنانيّة، مُنظّراً لثلاثيّة “ذهبيّة” (ارتقت حديثاً الى رتبة الماسية!) ترعى نجاحات لبنان الإستثنائيّة، المُتمثّلة حديثاً بالتفوّق على فنزويلا في ترتيب الدول التي تملك أسوأ تصنيف ائتماني في العالم: “الجيش، الشعب والمقاومة”. لكنّ عقد الإنهيار التدريجي (2010-2020) كان بالفعل محكوماً بمعادلة ميم – ميم، المُعبّرة عن عمق العلاقة التكاملية بين مافيا الحكم وميليشيا “حزب الله” والتي ترسّخت تباعاً، الى أن أصبحت تلخّص كلّ الواقع مع إتمام صفقة التسوية الرئاسية السيّئة الذكر في العام 2016.

تقوم معادلة ميم – ميم على مفهوم تبادلي بسيط: تؤمّن المافيا الغطاء السياسي لسلاح الميليشيا، العامِل خلافاً للدستور والميثاق من جنوب لبنان الى أقاصي اليمن، مروراً بسوريا والعراق والكويت والبحرين. يأخذ هذا الغطاء أشكالاً مختلفة، تبدأ بغضّ النظر عن خطايا “الحزب” تحت شعار “السلم الأهلي” وصولاً الى تأمين غطاء مسيحي وأغلبية نيابية يتباهى بها علناً القائد السابق في “الحرس الثوري الإيراني” قاسم سليماني. المافيا لا تؤمن عقائدياً بخيارات “الحزب” الإستراتيجيّة، بل انها تصرّح بحقّ إسرائيل بالأمن والتوجّه الغربي “الطبيعي” للبنان. لكنّها تلتزم حرفياً بمسؤولياتها في معادلة ميم – ميم، فتُزايد على “حزب الله” في تأكيدها على قدسيّة السلاح، ودوره المِحوري في “حماية لبنان” من “الإعتداءات الإسرائيليّة” كالتي حصلت في حربي الـ 67 و73، على حدّ قول مزوّر التاريخ الوزير جبران باسيل! (لبنان كان على الحياد في الحربين، ولم تقترب منه إسرائيل).

في المقابل، تؤمّن الميليشيا غطاء القوّة العسكرية لكلّ موبقات المافيا، المُمتدّة من فساد وصفقات ملفّ الكهرباء وصولاً الى منع المسلمين الشيعة من شراء أو استئجار منزل في مناطق مسيحية، حفاظاً على الصفاء الطائفي للمنطقة. تؤمّن لها جنّة السلطة ولو اضطرّت الى منع انعقاد المجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية، أو الى إنزال “القمصان السود” الى الشارع لفرض حكومة مافيوية بقوّة السلاح. عندما تسأل الميليشيا عن فساد المافيا، تُجيب على لسان رئيس كتلتها انّها (للأسف) مُنشغلة عن تلك الهموم بسبب تفرّغها للمقاومة، لكن الحقيقة في مكان آخر: “الحزب” أسير سلاحه. لا غطاء دستورياً أو ميثاقياً أو شعبياً للسلاح، لذا “الحزب” مستعدّ أن يُبادل تغطيته بأي ثمن تطلبه المافيا، ولو كان هذا الثمن إفقار وإذلال جمهور الحزب نفسه.

لا تظهر تجلّيات معادلة ميم – ميم بوضوح كلّي الا عندما يهتزّ التفاهم في “لحظة تخلّي” أحد الطرفين. آخر فصول المعادلة برز بشكل شبه كاريكاتوري في قضيّة إنشاء معمل سلعاتا لتوليد الكهرباء. بالرغم من تصرّف “التيار الوطني الحرّ” على أنّ المعمل قضيّة وجودية لمسيحيي الشرق أجمعين (وهو سلوك معروف أكاديمياً بالـ”تجارة الطائفية” ethnic entrepreneurship، بحيث يستعمل شدّ العصب الطائفي لأغراض شخصية)، صوّت “حزب الله” في مجلس الوزراء ضدّ إنشاء المعمل، مُتأثّراً بتوجّهه الجديد المُفترض القائم على محاربة الفساد بعد ثورة 17 تشرين. أخلّ “الحزب” بمقتضيات معادلة ميم – ميم على قاعدة العلاقة التبادلية، أتاه الردّ واضحاً وصريحاً من قادة “التيار”: “حزب الله” يُعرّض لبنان للخطر، أولوياته غير وطنية، يعزل البلد الصغير عن محيطه، بل حتّى انّه بمغامراته يُجوّع اللبنانيين! فجأة إكتشف “التيار” ولاية الفقيه، وحروب العراق واليمن، والوطنية اللبنانية الصرفة، وكاد أن يذكّر بتأييده للقرار 1559 لولا نجاح عمليّة الإبتزاز.

عاد “الحزب” الى بيت الطاعة داعماً للمشروع، وعاد “التيار” الى الحديث المُفرط عن “عناصر قوّة” لبنان وأحقّية الردّ من لبنان على مقتل قيادي من “الحزب” في سوريا. فلتكن حرباً، لكن حقوقنا محفوظة. الأمثلة هنا تطول، من إطلاق سراح “جزّار الخيام” عامر الفاخوري الى دعم مشروع سدّ بسري، مروراً بخيار التوجّه شرقاً والجهاد الزراعي – الصناعي. الحقّ يُقال إنّ “التيار الوطني الحرّ” لا يختصر الجزء المافيوي من معادلة ميم – ميم، فالمافيا هنا خاضعة لشعار “كلّن يعني كلّن”، لكن بدرجات متفاوتة، فهناك المُقرّر والمُشارك والمُستفيد والمُتعاون والمُتفرّج. ولكن فيما البلد يلفظ آخر أنفاسه، معادلة ميم-ميم باقية وتتمدّد. فلولا الميليشيا لقضت ثورة 17 تشرين على المافيا التي فقدت كلّ مقوّمات بقائها، ولولا المافيا لما استطاع “الحزب” الذهاب الى أقاصي الأرض (تدريب في فنزويلا!) مُطمئنّاً الى الغطاء الداخلي لغرفة عملياته الإقليمية.

تدرّجت معادلة ميم – ميم في إمساكها بالواقع اللبناني منذ أن اجتاح “حزب الله” بيروت في العام 2008، وتتوّجت مفاعيلها بانتخاب الرئيس عون في العام 2016، مع سقوط نظرية “الغموض البنّاء” في العلاقة بين “الدولة” و”المقاومة”. نجح “حزب الله” منذ “اليوم المجيد” بالتحكّم بكلّ ما هو استراتيجي في قرار الدولة اللبنانية، مُمسِكاً بالسياسة الخارجية والدفاعية. أخضع الطبقة السياسية جمعاء (مع استثناءات قليلة) لمنطقه وإرادته، تارةً بالترهيب وطوراً بالترغيب. هو المُتخصّص بالعنف الناضج، الذكيّ والمفيد – على عكس التنظيمات الإرهابية السنّية الطفولية – لم يضطرّ الى استعمال العنف الداخلي منذ العام 2013، مُعتمداً على النظرية التي كانت سائدة في الدول الشمولية: الدولة البوليسية ليست تلك التي تتجسّس (أو تعتدي) على كلّ المواطنين، بل تلك التي يعتقد كل المواطنين انّها تتجسّس (او بإمكانها الإعتداء) عليهم. ومن لم يخضع بالترهيب أُخضع بالترغيب. فلا قيمة دستورية لأيّ تفسير يحفظ حقّ التمثيل في السلطة السياسية في ظلّ حكم السلاح. هل ينصّ الدستور على تشكيل حكومات وحدة وطنية كما هو الحال في شمال ايرلندا؟ هل هو عرف بقيمة دستوريّة كما الحال في سويسرا؟ هل يُمكن تشكيل حكومات تمثّل الأغلبية النيابية كما هو الحال في البوسنة؟ هل على الرؤساء تمثيل الأغلبية في طوائفهم كما هو الحال شمال ايرلندا؟ أو أن يحظوا بأغلبية الأصوات على صعيد الوطن كما الحال في البوسنة؟ الجواب لدى المجلس الدستوري في “حزب الله”، والفتاوى تتعدّل بحسب حاجيات حماية السلاح. هذا السلاح الذي يمثّل غاية قائمة بحدّ ذاتها، فعلى عكس تنظيمات مسلّحة كالـ ANC في جنوب افريقيا أو IRA في ايرلندا، سلاح “حزب الله” مبرّر وجوده، ولن يسلّمه عند تحقيق أهدافه لأنّ هذه الأهداف لا تعرف حدوداً.

اما مافيا السلطة –العابرة للإصطفاف السياسي والطائفي– فقد أخذت بكل ما هو كارثي في أنظمة الدول التعدّدية، وتجاهلت عمداً كل ما هو مفيد. يقول البروفسور آرند ليبهارت، العالم الأبرز في شؤون التشاركية السياسية، إنّ هذه الدول تحتاج الى نشوء “كارتل سياسي” من زعماء الطوائف الأساسية، يجتمعون على ضبط غرائز جماهيرهم القبليّة والتعاون بشكل يحفظ الإستقرار ويضمن الإزدهار. لكن الكارتل الطائفي اللبناني لا يشبه وصفات ليبهارت، بل هو أقرب الى مشهديات فيلم العرّاب (The Godfather) للمخرج فرانسيس كوبولا: تجتمع عائلات المافيا الخمس برئاسة العرّاب من دون كورليوني بعد جولات صراع وتقاتل، وتحلّ مشاكلها على قاعدة قبول العرّاب بمشاركة العائلات الأخرى نفوذه بين القضاة ومسؤولي الدولة الأساسيين. ها هم زعماء القبائل في لبنان يحوّلون منطق التسوية (التي قد تكون مُشرّفة كتسوية ميثاق 43)، الى آلية لتقاسم النفوذ والتعيينات والمشاريع الإستثمارية. قال الحاكم الدولي للبوسنة بادي آشداون انّه عندما قدم الى البلاد الخارجة حديثاً من الحرب، وجد دولة تحكمها مافيا (mafia-controlled state) وتحميها ميليشيات، ويموّلها فساد الإدارة والقضاء والكهرباء، فقرّر تجنيد 55 دولة واستعمال سلطات شبه ديكتاتورية لقلب المعادلة القائمة! أوجه الشبه كثيرة، لكنّ مافيا البوسنة كانت لا تزال في عزّ شبابها، وميليشياتها الثلاث توازن بعضها بعضاً، لذا فإن معادلة ميم-ميم اللبنانية تتفوّق بأشواط في قدرتها التخريبية على غريمها في البلقان.

إعتقد البعض في لبنان والخارج لسنوات، أنّه يُمكن حلّ معضلة المافيا من دون الميليشيا، أو العكس. وزير خارجيّة فرنسا لودريان يوحي بالقبول باصطفاف لبنان بالمحور الإيراني، شرط المضيّ قدماً في الإصلاحات. دول الخليج العربي تربط المساعدة بحياد لبنان بالسياسة الخارجيّة ولو كان غارقاً في الفساد وسوء الإدارة. جماهير ثورة الأرز أعطت الميليشيا الأولوّية المُطلقة على حساب مطلب الإصلاح، وثوّار 17 تشرين قلبوا الآية، فوضعوا المافيا على رأس اولوياتهم ولو أنّ الإعتداء عليهم حقّ مكتسب وشبه حصري للميليشيا. لكنّ هذه المقاربات فشلت لأنها لا تأخذ عِلماً بالطبيعة التكاملية والتبادلية لمعادلة ميم-ميم التي تحكم لبنان. في أمل؟ “أيه” في أمل. معادلة ميم – ميم لا تحيا فقط بالصفقات والقوّة العسكرية، بل أيضاً بالفهم الخاطئ للمعادلة التي تحكمنا، وبمن سيكون الرئيس المقبل، وبمن سينتصر بالإنتخابات المقبلة، نيابياً وبلدياً. وفي كلّ هذه المحطّات، فلنبدأ بإسقاط معادلة ميم – ميم.

صالح المشنوق-نداء الوطن

شاهد أيضاً

الراعي: قرار الحرب والسلم تُقرره الحكومة اللبنانية لا الحزب

شدد البطريرك الماروني، الكاردينال بشارة بطرس الراعي، على أنه لم يدع أبداً إلى مؤتمر تأسيسي، …