لا تنقذوا حزب الله من ورطة الحكم

ليس غريباً الحديث عن تغيير حكومي.

فشل الحكومة ليس هو السبب الوحيد بالطبع. فالفشل هو السمة الأبرز للمعادلة السياسية التي أنتجتها تسوية رئاسية أتت بالجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة، بالتضامن والتكافل مع أغلبية قوى النظام السياسي اللبناني.

البحث عن حكومة جديدة هو في العمق بحث عن مخرج لحزب الله من الفخّ الذي سار نحوه بقدميه، بعناد لا يوصف، وباستعلاء لا يهتزّ، حين قرّر أنّ بوسعه تشكيل حكومة دون الآخرين.

حاول حزب الله جاهداً أن يعيد تكليف الرئيس سعد الحريري، وقدّم له الرئيس نبيه بري “لبن العصفور”. كان الهدف إعادة ترميم هيكل التسوية وإن ظلّ بلا مضمون. الترميم مردّه أن حزب الله لا يريد أن يحكم لبنان مباشرة في لحظة الانهيار غير المسبوق اقتصاداً واجتماعاً، ولا يريد أن يحتكّ بمسؤوليات الحكم إن كان حاصلاً على كلّ مكتسبات التحكّم من خلال إدارته لكامل اللعبة السياسية وتوازناتها. الأهم أنّه لا يريد أن ينكشف أمام اللبنانيين السببُ الحقيقي للسقوط الحرّ الذي نمرّ به. وأنّه ببساطة شديدة، لا يمكن الاستمرار في التعايش بين دولة وبين ميليشيا عابرة للحدود الوطنية.
منذ إخراج سعد الحريري من الحكم عام 2010/2011 بدأ حزب الله يتدرّج في شطب الهامش بين الدولة والميليشيا. شكّل حضور وليد جنبلاط في حكومة نجيب ميقاتي مقروناً بتموضع الرئيس ميشال سليمان نقطة توازن في مواجهة طغيان حزب الله على الحكومة. بعدها ومع اقتراب نهاية عهد ميشال سليمان، وفي ذروة وصول تداعيات الحرب السورية على لبنان وتدخّل حزب الله فيها، على شكل تفجيرات ضربت قلب الضاحية، ولدت حكومة الرئيس تمام سلام في شباط 2014 بعد 11 شهراً على تكليفه، وقبل نحو ثلاثة أشهر من انتهاء عهد سليمان والدخول في الفراغ الرئاسي.. شكّلت حكومة سلام نقطة توازن جديدة مع دخول وزراء صقور من الطائفة السنية إليها في حقيبتي العدل (أشرف ريفي) والداخلية (نهاد المشنوق) بغية امتصاص مناخات الإحباط أو الاستنفار السنية نتيجة إيغال حزب الله في الحرب السورية. وقد استمرت الحكومة حتّى الانتخابات الرئاسية التي أفضت اليها تسوية انتخاب ميشال عون. حينها شكّل سعد الحريري حكومة العهد الأولى وأعاد تشكيل الحكومة الثانية بعد الإنتخابات النيابية التي أدت الى فوز تحالف حزب الله بأكثرية برلمانية للمرّة الأولى منذ العام 2005، وبعد عملية خلط أوراق هائلة في التموضعات السياسية اللبنانية، أعقبت استقالة الحريري من الرياض في نوفمبر 2017، ثم تراجعه عنها بعد عودته إلى بيروت… شكّل الثلاثي عون – الحريري – حزب الله محور الحياة السياسية منذ التسوية. وزاد تحالفهم بعد الاستقالة في السعودية، إلى أن جاءت ثورة 17 تشرين الثاني 2019، ودفعت الحريري إلى الاستقالة والتموضع في مواجهة العهد، بعد معادلة جبران باسيل: “سوا جوّا أو سوا برّا” في الحكومة المفترضة.

شكّلت الأغلبية التي يقودها حزب الله حكومة حسان دياب، ومنحتها الثقة في البرلمان من دون أيّ مشاركة تكسر اللون الواحد، كما كانت حال جنبلاط مثلاً في حكومة الميقاتي. وبذلك سقط الخط الفاصل الأخير بين حزب الله وبين الدولة، وبات العهد العوني رئاسة وحكومة وبرلماناً، هو عهد حزب الله وجمهورية ولاية الفقيه.

والحال، فإن أيّ حكومة جديدة قد يُدفع إلى تشكيلها، ستكون وظيفتها النأي بحزب الله عن الكارثة التي تضرب لبنان، وإنقاذه من ورطة الحكم، التي ألمح إليها اللواء جميل السيد، حين قال إنّ حسن نصرالله يلعن ساعتها، خلال مقابلة اللواء الأخيرة عبر تلفزيون “الجديد”.

من الطبيعي أن يتوق اللبنانيون وأن يتوهّموا وجود حلول، وأنّ حكومة جديدة بوسعها أن تفعل شيئاً يوقف حدة الانهيار الذي يواجهه اللبنانيون عراة وبلا أيّ حصانات تُذكر. غير أن الواقع يفيد بأن أيّ تسوية، بمعايير التسويات اللبنانية الممكنة، لن تتجاوز في نتائجها نتائج التسوية الأخيرة. يومها قيل إن التسوية تحمي الليرة من الانهيار، وتحمي الاقتصاد من الإفلاس، فإذ بنا ننتهي بليرة منهارة واقتصاد مفلس، يتوّجهما وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

أيّ تسوية وفق هذه المعايير لن تنقذ اللبنانيين، بل ستشكّل مخرجاً إنقاذياً لحزب الله لا أكثر ولا أقل، في حين تستمرّ معاناة اللبنانيين وتتحوّل الحكومة الجديدة إلى هدف للمتظاهرين وتفريغ إحباط اللبنانيين.

ماذا لو شكّلت حكومة بلا حزب الله وبلا جبران باسيل؟

أولاً، لست مقتنعاً أنّ حزب الله وصل إلى المرحلة بات جاهزاً فيها للإقرار بفشل حكومة استثمر فيها الكثير من السمعة والارتباط وعبر إطلالات مكثفة لنصرالله.

ثانياً، لا يشكّل خروج حزب الله من الحكومة ضمانة كافية لانطلاق ورشة إصلاحية حقيقية أو استدراج حدّ معقول من الرضى الدولي الذي يترجم إلى مساعدات وبرامج إنقاذ. فحزب الله لا يزال يمتلك أكثرية برلمانية بإمكانها إسقاط الحكومة ساعة يشاء.

إن أيّ مدخل للتسوية يجب ألا يقلّ عن إعلان علني من حزب الله يلتزم بما يشبه مضمون إعلان بعبدا، وأساسه خروج حزب الله الحاسم من دوره الإقليمي، والبدء فوراً بمناقشة استراتيجية دفاعية حول سلاح حزب الله، وأن يكون ذلك بضمانات إيرانية مباشرة تنتزعها فرنسا.

هل هذا وارد؟ كلا.

النتيجة ستكون المزيد من الانهيار واحتمال أن يسقط البعض في فخ تغيير الحكومة ليمسك بكرة النار في توقيت قاتل.

حزب الله يمتلك أكثرية نيابية، وجاء برئيس جمهورية ورئيس حكومة، وعليه أن يحكم، وأن تمتحن أفكاره حول الحكم وقدراته في الإدارة أمام اللبنانيين والعالم.

المطلوب توفير كلّ ما يلزم لحزب الله لأن يحكم من دون منغّصات، وأن نتفرّج عليه وهو يخضع لموجبات الحكم ومسؤولياته علّه يستفيق من غيبوبة الأنا المنتفخة، ويعترف أنه مجرّد تنظيم أمني، وأنّ لبنان أكبر بكثير من قدراته…

لبنان أكبر من حزب الله بكثير. ربما عبر مرآة حكومة دياب سيكون بوسعه أن يرى الصورة بوضوح.

لا تنقذوا حزب الله من ورطة الحكم.

نديم قطيش

شاهد أيضاً

الجراد يقتحم البقاع

وسط الازمات القاتلة التي يعيشها اللبنانيون، حلّت مصيبة جديدة عليهم، تمثّلت بأسراب جراد وصلت الى …