سقطات “دستورية” في قصر الجمهورية

نعيش في زمن سوريالية دستوريّة. ليس عجيباً أن يعمد سياسيٌ لبنانيٌ من الطبقة الفاسدة، إلى محاولة التحكّم بالقضاء والإدارة، إلا أنَّ العماد عون – صاحب شعار “الإصلاح والتغيير” – عمد، وفي سابقة تاريخيّة، إلى إضفاء بعد “فلسفي” و”دستوري” على ممارسات دكتاتوريّة فجّة مرّ عليها الزمن، مجاهرا برفضه لاستقلاليّة القضاء ولإخضاع التعيينات الإداريّة لمعيار الكفاءة. يقول الأكاديمي فرنسيس فوكوياما – صاحب نظريّة “نهاية التاريخ” – ان عالم ما بعد الحرب الباردة فرض على الجميع اقلّه ادّعاء التمسّك بقيم الحداثة، بحيث انّه حتى في أعتى الدكتاتوريات، تجري انتخابات ولو صورية لاكتساب مشروعيّة القرن الحادي والعشرين.

إلا أن “التاريخ لم ينته” في القصر الجمهوري، حيث كبير الفلاسفة “الدستوريين” السفسطائيين. والسفسطائيّة هي التعبير الذي اعتمد لوصف العلماء اليونانيين في زمن ما قبل سقراط، الذين كانوا يستخدمون ذكاءهم ومعرفتهم الواسعة لخداع الناس. وهم الذين قال عنهم افلاطون، بانّهم مجموعة من المتلاعبين السطحيين بالجدليّة الفكريّة. ان متابعة عمل الخبراء الدستوريين، خصوصاً في الدول المنقسمة طائفياً، يظهر انّه لا يوجد أسوأ ممن لم يقرأ الدستور يوماً، أو ممن يجاهر برفضه لقواعده واحكامه، الا ذاك “العالم” الذي يستعملُ علمه لخدمة الأطماع الشموليّة وغير الدستوريّة لحكّام البلاط، فيكتب مدافعاً عن الحجّة ونقيضها، مسخّراً قدرته على “التذاكي” لتسويق تفسيرات “غبّ الطلب”.

وقد أطلّ علينا هذا “العالم” أخيرا ليصوّب مسارنا الإصلاحي بنصيّن “تاريخيين”: الأول طعن لدى المجلس الدستوري لإبطال قانون آليّة التعيين، والثاني “كتاب” وجّهه المدير العام لرئاسة الجمهوريّة الى رئيس مجلس الوزراء، يشرح فيه ملاحظات “فخامته” على مشروع المناقلات القضائيّة. بغضّ النظر عن كون النصيّن يشكّلان، بالمعنى السياسي، اعتداء فجَّاً على المنحى الإصلاحي المطلوب لبنانياً ودولياً، وبغضّ النظر عن الإهانة المعنويّة التي يشكّلها إعلان رئيس البلاد رفضه “بالمبدأ” استقلاليّة القضاء وتعيين اداري وفق الكفاءة (حتّى الرئيس اميل لحود وضع التشكيلات القضائيّة في “الجارور” ولم يتجرأ على “تنظيرة” دستورية تتيح له التحكّم بالقضاء)، فإنَّ المطالعتين تحتويان على كميّة مغالطات دستوريّة “مقصودة” يجب توضيحها للرأي العام، ولو أنَّ واضعيها يعرفون تمام المعرفة، مدى مخالفتها للدستور. فالنصّ الدستوري، الذي يكتب باقتضاب وشموليّة وعموميّة مقصودة (ما عدا بعض الاستثناءات كدستور الهند مثلا، المؤلّف من ١٤٥،٠٠٠ كلمة) هو عبارة عن مواد تفسّر وفق روحيّة التوازن بين “النيّة الأساسية” (أي نيّة المشرّع عند وضعه له) وضرورات التأقلم مع الحداثة. بينما في لبنان يريد السفسطائيون تفسير المواد الدستوريّة وفق حاجة الرئيس لقاضية العهد، وحاجة صهره لتعيين ازلام في الإدارة تعويضا عن شعبيّة فقدت ولن تعود.

استندت رئاسة الجمهوريّة بشكل أساسي في رفضها لمشروع المناقلات الى ثلاثة عناوين دستورية: مبدأ “التعاون بين السلطات” المنصوص عليه في مقدّمة الدستور، صلاحيّات الرئيس بإصدار المراسيم المنصوص عليها في المادة ٥٤، والمادة ٩٥ التي تلغي قاعدة التمثيل الطائفي خارج الفئة الاولى. لن نتحدّث عن عنوان رفض تطييف التشكيلات، نظراً الى ان مطلقيه لا يملكون ذرّة صدقية في مناقشة هذه المسألة، وهم أنفسهم مدرسة في التنظير الدستوري لضرورة حفظ التوزيع الطائفي حتّى في حرّاس الاحراش.

أما فيما خص البنود الأخرى، فان الفقرة (ه) من الدستور، تنصّ على ان “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”، هو مبدأ عام يُفهم منه أولوّية الفصل بين السلطة القضائيّة والسلطة التنفيذيّة، وأولويّة التعاون بين السلطة التشريعيّة والتنفيذيّة (الحكومة تنبثق عن مجلس النوّاب). والتوازن يأتي بمعنى عدم طغيان سلطة على الأخرى، او التحكّم بها. أما تفسير القصر الجمهوري لمبدأ “التعاون” على انّه وصاية الرئيس على المناقلات القضائيّة، فلا يقبله عقل ولا منطق، ربطاً بالمبدأ الدستوري المنصوص عليه في المادة ٢٠، والذي يؤكّد أنَّ “القضاة مستقلّون في وظائفهم”، وهنا الأداء الوظيفي لا يمكن فصله عن آليّة التعيين ومدى خضوعها لمبدأ استقلالية القضاء. في سابقة” اجتهاد” استثنائيّة، يتحدّث الكتاب عن واجب الرئيس التدخّل لحماية “وحدة واستقلاليّة” القضاء، بلا إيضاحٍ منه للمعنى المُراد والمقصود من “وحدة” القضاء” (محاصصة؟) و”التدخّل” لحماية “الاستقلاليّة”.

ثم في محاولة تعبئة طائفيّة معطوفة على فلسفة دستوريّة، يتحدّث الكتاب عن أن “المرسوم العادي” هو من “الوسائل القليلة” التي أبقاها الدستور لرئيس الجمهوريّة، ولذا لا يمكن للتوقيع ان يكون “تحصيل حاصل”. إن صلاحية إمضاء المراسيم الممنوحة للرئيس وفق المادة ٥٤ تأتي على نوعين: مراسيم صلاحيّة مطلقة (منح العفو الخاص مثلا) وصلاحيّات مقيّدة، وهي التي تخصّ أي مرسوم يعنى بتسيير مرفق عام، والتي تعطى لرئيس البلاد لأسباب رمزيّة وشرفيّة. إذ لا يمكن تفسير نيّة أي مشرّع على أنه منح رئيساً صلاحيّة تعطيل مرفق عام كالسلطة القضائية. كما أن قانون القضاء العدلي نص في المادة ٥ على أن التشكيلات تصبح فور إقرارها من مجلس القضاء الأعلى “ملزمة ونهائيّة”، فكيف تكون كذلك إذا كان للرئيس صلاحيّة رفضها!

أمّا العجيبة الدستوريّة الثانية فتمثّلت برفض القصر الجمهوري لقانون يضمن التعيين وفق الكفاءة في مجلس الوزراء، على قاعدة أن القانون مخالف للمادتين ٥٤ و٦٥ و٦٦ من الدستور، وتحديداً المادة ٦٥ التي تقول بأنَّ مجلس الوزراء يقوم ب”تعيين موظّفي الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم وفق القانون“، وقول المادة ٦٦ “يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الانظمة والقوانين كل بما يتعلّق بالأمور العائدة الى ادارته وما خصّ به”. في المضمون، إن الاعتراض على القانون ينمّ عن تجاهل مقصود لحرفيّة وروحيّة النص الدستوري: في الحرفيّة، فإن المادتين المُشار إليهما، تلحظان وجود “قوانين” ترعى عمليّة التعيين، ما يفتح الباب أمام قوانين تضمن حسن تطبيق النص الدستوري. أمّا في الروحيّة، وهنا الأساس، فانّ هدف المشرّع كان نقل الصلاحيّة من رئاسة الجمهوريّة الى مجلس الوزراء مجتمعاً لأسباب متعلّقة بحسن إدارة التنوّع والتعايش والمشاركة، ولم يكنّ هدفه أبدا السماح للوزراء – منفردين او مجتمعين – بتعيين أزلامهم الأمّيين وفق صيغة تحاصصيّة منفعيّة تقضي على الإدارة، كالتي نشهدها اليوم. إن اشراك مجلس الخدمة ووزير التنمية الاداريّة في وضع آليّة تضمن الكفاءة، لا يمكن أن يكون متعارضاً مع النيّة الأصليّة للمشرّع، والذي ما كان بإمكانه تخيّل تعيين معالجٍ فيزيائي، مديراً عاماً لوزارة الاقتصاد في أسوا أزمة اقتصاديّة بتاريخ لبنان.

إنَّ مشروع التشكيلات القضائيّة، كما قانون آليّة التعيين، هما من النتائج المباشرة لثورة ١٧ تشرين، كما أنّهما من الشروط (غير) المعلنة لأية مساعدات ماليّة تأتي عبر مؤسسات المجتمع الدولي، كما كان الحال مع قانون استقلاليّة القضاء في المفاوضات بين صندوق النقد والبرتغال. ان إخضاعهما لرغبات الرئيس الاستئثارية، أو لفلسفات مستشاريه السفسطائيين، يؤكّد للمرة الألف، بأنَّ لبنان لم يصل الى الخراب الا من خلال هذه القنوات “الفكريّة” والسياسيّة، وبأن خروجه من الحفرة مناط بالتخلّص منها ومن تبعاتها.

تقول رسالة القصر الجمهوري بأن مشروع استقلاليّة القضاء يُوُقِعُ “النظام الدستوري اللبناني في المحظور الأخطر المتمثّل بالتجربة القاسية التي عانت منها إيطاليا” والتي “أطلق عليها ما عرف بحكومة القضاة”. هنا لب القضيّة. تجربة إيطاليا هي تجربة محاربة القضاء لفساد الطبقة السياسيّة (ما سقط سهواً من بيان القصر)، وقد أدّت الى اختفاء أحزاب ايطاليّة بالكامل، كما أطلق عليها اسم “الايادي النظيفة (mani pulite). وإن كانت تجربة كهذه شبه مستحيلة في لبنان، فان أقلّ ما نستأهله اليوم، هو ان تتوقّف أيادي القصر “النظيفة” عن كتابة فلسفات (غير) دستوريّة تودي بالبلد والعهد والقصر.

صالح المشنوق-النهار

شاهد أيضاً

جبران قديساً

بُعيد منتصف ليل أمس، شهد لبنان تقاطر حجاج مسيحيين من كل أصقاع الأرض، ما تسبّب …