بين بكركي و”القوات” تماهٍ وتكامل… وتعارض مع “التيار”

يتصدر البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المشهد الوطني، منذ جهره في عظة الأحد 5 تموز بحياد لبنان وفك الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر. وفي حين لاقته معظم فئات الشعب اللبناني وقياداته تأييداً ومناصرة، تفرَّد فريق السلطة المهيمن على الشرعية بمختلف أطيافه بالتشكيك ومناورات الالتفاف والاحتواء والتسويف والتطويق.

لكن أكثر ما اتجهت إليه الأنظار هو متابعة مواقف الأطراف المسيحية الرئيسية ومقاربتها لصرخة البطريرك الراعي المدوية، وفي مقدمتها القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، لكونهما يشكلان القاعدة الأعرض في البيئة المسيحية، مع بروز التماهي بين موقف بكركي والقوات مقابل محاولة التذاكي والتمييع من قبل التيار.

في مقاربتها لمواقف الطرفين الرئيسيين على الساحة المسيحية، تقول أوساط كنسية، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إن “التقاطع في المفاصل والمحطات الاستراتيجية والبنيوية والكيانية بين بكركي والقوات مردُّه إلى قراءتهما المشتركة في كتاب واحد، هو كتاب الدستور اللبناني وفلسفة الكيان اللبناني والفكرة اللبنانية. بالتالي، ليس مستغرباً هذا التلاقي والتقاطع بين الطرفين في هذه المفاصل، لأن لبكركي والقوات قراءة وطنية مشتركة في الثوابت السيادية والاستقلالية والميثاقية والكيانية”.

وإذ تشدد المصادر ذاتها، على أن “هذا ما تجلى في أكثر من محطة وطنية”، تلفت في المقابل إلى أن “هذه المحطات بالذات دلَّت على مدى التباعد بين التيار الوطني الحر وموقع بكركي. ففي حين تبرز القوات اللبنانية في هذه المفاصل في حالة تكاملية مع بكركي، يظهر التيار في حالة تباعدية خلافية معها”.

وتوضح المصادر الكنسية أسباب قيامها بالمقارنة بين علاقة كل من هذين الفريقين ببكركي. وتقول، “نحن حين نقوم بهذه المقارنة بين التيار والقوات، لأنهما يمثلان النسبة الأكبر من التمثيل الوطني المسيحي، وشكَّلا منذ العام 1988 إلى اليوم الحيثية المسيحية الأساسية داخل البيئة الوطنية المسيحية”.

وتشير إلى أنه “في المحطة الأولى العام 1989 حصل التقاطع بين بكركي والقوات من أجل إنهاء الحرب اللبنانية، انطلاقاً من الخسائر الفادحة التي باتت تسببها على البلد وعلى الوضع الميثاقي والشراكة داخل البنية السياسية اللبنانية، بسبب حرب التحرير التي افتُعلت آنذاك من دون درس وتحضير، والتي قادت في نهاية المطاف إلى اتفاق الطائف الذي حظي بمباركة دولية وعربية ومحلية. وتم التعاطي مع هذا الاتفاق بسلاسة من قبل مرجعية بكركي والقوات اللبنانية، على قاعدة أن ميزان القوى الداخلي والخارجي هو الذي يشكل الدينامية من أجل تطبيقه تحقيقاً لهدفين أساسيين: قيام الدولة في لبنان، وإخراج الاحتلالات على أنواعها، وتحديداً الاحتلال السوري الذي يتدخل في كل التفاصيل اللبنانية”.

وتلفت المصادر الكنسية، إلى أن “رفض الطرف الآخر، أي التيار آنذاك، الدخول في هذه التسوية لاعتبارات رئاسية ومصلحية أدى إلى الإطاحة بـ(المومنتوم) الذي كان قائماً، الأمر الذي استفاد منه النظام السوري من أجل وضع يده على لبنان لمدة 15 عاماً تلت. لكن الأساس هو هذا الالتقاء في محطة من هذا النوع بين المرجعيتين الروحية والسياسية، من أجل توفير المزيد من الخسائر الكبرى على البيئة الوطنية المسيحية، الأمر الذي كان له حسابات أخرى لدى الطرف الآخر من طبيعة سلطوية، بينما كانت حسابات بكركي والقوات من طبيعة مبدئية وطنية”.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن “محطة التقاطع المفصلية الثانية بين بكركي والقوات، كانت عندما تشكل لقاء قرنة شهوان في العام 2001 على أثر نداء المطارنة الموارنة في أيلول العام 2000، حين تجمَّع تحت عباءة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي أوفد المطران يوسف بشارة لترؤسه”.

وتضيف، “شكَّلت وثيقة لقاء قرنة شهوان تجسيداً وترجمة للنداء الأيلولي لمجلس المطارنة وعبَّرت عن ثوابت كيانية ومنطلقات وطنية، ورفض التيار الدخول في هذا المفصل لأنه لا يريد أن يعطي بكركي أي خطوة سياسية، وفضَّل أن يكون خارج هذا الإطار لأنه يريد أن يتفرَّد ولا يريد أن يلتزم تحت سقف البطريركية بهذه الثوابت، وأيضاً لئلا يكون ملزَماً بسقف مبدئي وطني لأن حساباته سلطوية وفئوية”.

وتلفت إلى أن “الوقائع أثبتت أن هذا المسار مع البطريرك صفير هو الذي أدى إلى إخراج الجيش السوري من لبنان، من خلال الوحدة الداخلية المسيحية بخطاب وطني عابر للطوائف، الذي مكَّنها من التقاطع مع الأطراف الأخرى في لقاء البريستول وأدى إلى إخراج الجيش السوري”.

وترى المصادر الكنسية ذاتها، أنه يجب التأكيد على “مركزية المحطة الثانية المفصلية التي حصل فيها الالتقاء بين بكركي والقوات من أجل إخراج الجيش السوري من لبنان. وذلك أنه التقاء بين المرجعية الروحية والحالة الشعبية التنظيمية، على الرغم من حل حزب القوات لكنها كانت الذراع اليمنى على الأرض، وهذا الأمر برز من خلال زيارة البطريرك صفير إلى الجبل في آب العام 2001 ومصالحة الجبل التاريخية، حيث كانت القوات هي الحاضرة على الأرض من خلال محازبيها ومناصريها”.

وتُعطي المصادر أهمية بارزة لمحطة الإلتقاء الثالثة المفصلية بين بكركي والقوات اللبنانية، في موضوع حياد لبنان الذي يحمل لواءه البطريرك الراعي. وتقول، “نرى اليوم أيضاً هذا التكامل بين طرح البطريرك وطرح القوات، التي أوفدت أكثر من وفد نيابي ووفود حزبية، وتُوّجت بكلمة رئيس حزب القوات سمير جعجع بحضور البطريرك الراعي تأييداً لمواقفه”.

وتعتبر أن “هذا الالتقاء هو تعبير عن الرؤية المشتركة للثوابت الوطنية اللبنانية بين بكركي والقوات، مقابل الالتفاف الذي يحاول أن يجريه التيار الوطني الحر، إن من خلال رئيس الجمهورية ميشال عون بدعوته إلى التوافق، أو من خلال النائب جبران باسيل الذي حاول إغراق البطريرك الراعي بمجموعة ملفات، تبدأ من النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين ولا تنتهي بموضوع الصراع مع إسرائيل وترسيم الحدود وملفات أخرى”.

وتؤكد على أن “التوافق يجب أن يتم على المسائل الخلافية، ومن ضمنها سلاح حزب الله، وقتاله خارج لبنان والسلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية، بينما الحياد هو جزء لا يتجزأ من الميثاق اللبناني والتجربة اللبنانية. وإن دلَّ هذا التقاطع بين القوات وبين بكركي وهذا التعارض والتناقض بين التيار وبكركي على شيء، فهو يدلّ على أن هناك طرفاً أولويته سلطوية، وأنه يلتقي أو يبتعد عن أي طرف انطلاقاً من حساباته على مستوى السلطة”.

وترى أن “ما يميّز القوات اللبنانية هو أنها تتقاطع مع بكركي في المحطات المفصلية التي لها علاقة بالدستور والكيان، لأن لبكركي والقوات الثوابت والمنطلقات الوطنية اللبنانية ذاتها، لجهة العيش المشترك والسيادة والاستقلال ودور لبنان وفلسفة الكيان اللبناني والفكرة اللبنانية”.

وتضيف أن “هذه المحطات الآنفة الذكر تفسّر لوحدها الفروقات الأساسية بين التيار والقوات. بين طرف هدفه الأول السلطة على حساب كل شيء وبين طرف آخر أولويته المبادئ والثوابت والمسلمات اللبنانية قبل أي اعتبار آخر، لأن الأوطان لا تُبنى من خلال المصالح والحسابات الضيقة بل على الصخر والمبادئ والفكرة الأساسية، وهذا ما يشكّل الجامع بين بكركي والقوات اللبنانية”.

أمين القصيفي-خاص موقع القوات

شاهد أيضاً

مقدمات نشرات الأخبار المسائية

مقدمات نشرات الأخبار المسائية ليوم السبت 6 آذار 2021   * مقدمة نشرة أخبار “تلفزيون …