التدخلات السياسية في القضاء وقحة وفاضحة


تماما كما يستشهد اللبنانيون ويموتون كل يوم مئة مرة على يد طبقة سياسية عاجزة عن حمايتهم من الغلاء والوباء والعتمة (…)، يُقتل القضاء اللبناني أيضا، على يد “المجرمين” أنفسهم، فالتدخلات السياسية في عمل السلطة القضائية باتت فاقعة وقحة، ولم يعد ممارسوها يحاولون تلطيفها او إخفاءها. لطالما كان الحكم في لبنان يبسط نفوذه و”مونته” على القضاء، وهذا ليس سرّا، لكن لم يسبق ان سجّلت اليوميات اللبنانية تدخّلات كتلك التي شهدتها البلاد منذ أشهر قليلة، وتحديدا منذ دخول حكومة “مواجهة التحديات” المفترضة الى السراي، شكلا وكمّا.
ولم يكن أدل الى كون السلطة السياسية تريد تدجين القضاء وتطويعه وإبقاءه أداة ليّنة في يدها ومعاركها السياسية، من طريقة تعاطيها مع التشكيلات القضائية. فبعد ان رمى على مدى أشهر العصي في دواليب اللائحة التي وضعها مجلس القضاء الاعلى برئاسة القاضي سهيل عبود، الذي يشهد له الخصوم قبل الأصدقاء على كفاءته ونزاهته ومهنيّته، قرر الفريق الحاكم إنهاء مشوار هذه التشكيلات “المزعجة” والتخلّص منها نهائيا بحيث علّقها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ووضعها في الثلاجة، والسبب هو انها استبعدت بعض القضاة المحسوبين على الاحزاب الحاكمة من مناصبهم او وضعتهم في مراكز اخرى!
وبعد استسهال السلطة تخطي تشكيلات “القضاء الاعلى”، لا يعود مستغربا رؤية هذا الفريق يسخّر القضاء لمصالحه وأهدافه. تارة، يقرر قاض مقرّب من حزب الله، اصدار حكم يمنع بموجبه الاعلام من استصراح السفيرة الاميركية، قبل ان تتلاشى مفاعيله ويعلن قاضي الأمور المستعجلة في صور محمد مازح استقالته من منصبه ايضا.
وطورا، مع اصدار رئيس دائرة تنفيذ بيروت القاضي فيصل مكي، قرارًا ألقى بموحبه الحجز الإحتياطي على الأسهم العائدة لحاكم مصرف لبنان، في عدد من العقارات والمنقولات المملوكة منه في منزله الكائن في محلة الرابية. بحسب القانون ١٥٦/٢٠٢٠ الصادر في ايار، “لا تُحرّك دعوى الحق العام بحق موظف من دون ادعاء النيابة العامة وبالتالي القرار المبني على شكوى مباشرة لا اساس قانونيا له”. كما انه ومن خلال التدقيق في هوية مكي، يتبين ان الاخير هو أيضا مَن القى الحجز على املاك النائب هادي حبيش في دعوى مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون (وبات معروفا مدى قربها من التيار الوطني الحر)، كما ان القاضي مكي شقيق منسق التيار الوطني الحر في النبطية خالد مكي، ما يعني ان هذا الحكم يندرج في سياق الضغوط التي يمارسها التيار على سلامة والحرب الباردة الدائرة بين الجانبين.
السلطة الثالثة تتعرض اذا للاغتيال، واذا فُقد العدل فُقد الملك. فأي إشارات تعطي هذه السلطة الى المجتمع الدولي بأدائها هذا: لا اصلاحات ولا حياد وعبثٌ بالقضاء؟